صار من المعروف ان لا يتفق الفرقاء العراقيون على كل القضايا التي تطرح على موائد النقاش لأسباب عدة أبرزها تعدد مرجعياتهم وتنوع ما يتقدم اهتماماتهم فضلا عن اختلاف أجنداتهم واذا كان عدم الاتفاق صفة تلازم المشكلات الصغيرة فمن البديهي ان لا يتمكن فرقاء ما يسمى بحكومة الوحدة وهي المنقوصة حاليا من حسم قانون النفط والغاز وهو مدار جدل الحكومة العراقية لأكثر من 13 شهرا.
وعلى الرغم من ان الحكومة قد أقرت قانون مشروع النفط والغاز وفق ما صرح به رئيسها نوري المالكي حيث قال ان الإجماع ساد جو الاجتماع الوزاري حول قانون النفط والغاز غير ان ما لم يقله المالكي ان هذ الاجتماع ان كان قد حقق نصابا قانونيا الا انه قد تغيب عنه 13 وزيرا من الصدريين والتوافق وآخر من العراقية لم يحقق مطلقا النصاب السياسي وللأسباب الآتية:
1-الاجتماع تغيب عنه ممثلو جبهة التوافق العراقية السنية والتي تمتلك 7 مقاعد وزارية ومنصب نائب رئيس الوزراء.
2-الاجتماع لم يحضره وزراء الكتلة الصدرية التي يقودها رجل الدين الشاب مقتدى الصدر وهي الحركة التي تمتلك 6 وزراء خضعوا لقرار الصدر بتقديم استقالاتهم احتجاجا على سوء إدارة الحكومة سيما في ما يتعلق بأمن سامراء.
3-رئيس الوزراء نوري المالكي فشل في الحصول أصلا على موافقة البرلمان لسد النقص الذي تعانيه حكومته للوزراء الصدريين المنسحبين بعدما قدم مجموعة أسماء مقربة منه ومن مستشاريه أكثر من قربها حتى للائتلاف الشيعي الموحد الذي ينتمي اليه مما دفع البرلمانيين الى تأجيل التصويت لان رفض وزراءه المرشحين كان يعني مثابة ضربة قاصمة له في وقت تتأرجح فيه حكومته بين الاستقالة والتعديل الوزاري.
4-الكتل البرلمانية تفاجأت من إعلان المالكي إقرار المشروع بصورة مفاجئة سيما وانه كان قد بذل جهدا استثنائيا في ان تعقد حكومته اجتماعا كامل النصاب القانوني حتى انه اضطر الى استدعاء وزيرين في حكومته كانا في اسطنبول لعمل رسمي ووصلا فعلا الى بغداد على وجه العجل من اجل ان يعقد الاجتماع.
المفاجئ هو ان يتم مناقشة هذا القانون الخطير والذي شكل مفاجأة حتى لائتلافه الذي لم يعلق أعضاؤه او صقوره على إقرار الحكومة للقانون او حتى لم تصدر هيئته العليا اي بيان بل ان التضارب بدا واضحا عندما اصدر المجلس الأعلى الذي يتزعمه الحكيم على موقعه على الانترنت بيانا قال ان أعضاء الائتلاف انهوا اجتماعا ناقشوا فيه قوانين ومشاريع مهمة منها النفط .
وحتى اذا سلمنا جدلا بأن الائتلاف موافق على مشروع القانون فإن توقيته وطريقته وظروف إعلانه لا ترضي الائتلافيين الذين يخشون من الوقوع في أزمات أخرى مع الكتل البرلمانية وبالأخص مع حلفائهم الأكراد سيما وان الائتلاف الشيعي لم يعد موحدا كما يطلق عليه. فالمجلس الأعلى الذي يتزعمه الحكيم بات لا يخشى توجيه انتقاداته للمالكي مثلما حصل على لسان نائب الرئيس العراقي عادل عبد المهدي و ما فعله همام حمودي وهما قياديان في المجلس كانا لا يميلان الى توجيه الانتقادات العلنية للمالكي.
فالائتلاف لم يكن كتلة واحدة أيضا بعد انسحاب حزب الفضيلة الشيعية التي ترجع للمرجع اليعقوبي ناهيك عن عدم الاستقرار المستمر الذي تعانيه الكتلة الصدرية التي تتقلب مزاجاتها مع تقلبات مزاج السيد الصدر .
واذا كان الائتلاف الموحد يخشى ذلك بسبب مشاكله الداخلية فانه في هذه الفترة ليس في حاجة للدخول في مهاترات مع الأكراد حلفائهم الداميين الذين أعلنوا موقفهم بانهم لم يطلعوا على قانون النفط بصيغته النهائية او يدخل الائتلافيون المحرجون من سوء ادارة المالكي للعراق في مشاكل حتى مع العرب السنة لان ذلك ليس من مصلحتهم الآن فهناك حرب تجري معهم على خلفية طلب إقالة المشهداني وأخرى تجري لإقناعهم لتشكيل حكومة أخرى من جهة وصراعات تجري حول التعديلات الدستورية كما ان على الجميع الاستعداد لمواجهة مرتقبة على اثر موضوع أزمة كركوك .
وإذا كان مثلث الحل لا يكتمل الا مع الأميركيين فان ما يجري وان كان بضغط منهم على المالكي مقابل ان يحظى بدعم الرئيس جورج بوش فان العنف لن يتوقف مع إقرار هذا القانون بل انه سيجعل حتى الأطراف المشاركة من القوى السنية في حرج شديد أمام جماهيرها التي لن تغفر لها أصلا انتزاع صفة تمثيل العرب السنة دون تحقيق ما تتطلع له جماهير السنة وهو يذكرهم بمرحلة التصويت على الدستور عندما خرج الحزب الإسلامي عن سرب جماهيره بالموافقة على الدستور مما دفع أنصاره الى رشق مكتبه بالطماطم والحجارة .
واذا كان ما سبق من مشهد يحيط بالوضع السياسي العراقي فان السؤال المهم هو لماذا تصر الأطراف الحالية في ظل انقسامها الداخلي ان تناقش حزمة المسائل الخطرة مثل قانون النفط والدستور وكركوك وغيرها في مرحلة يموت فيها يوميا العشرات من العراقيين او تترك فيها مناقشة واقع الخدمات مثل الماء والصحة والكهرباء. وعليه فان السؤال الآخر هنا أليس الأجدى ان تتقدم المصالحة والحوار على الخلافات ؟ وأليس الأجدى ان يبحث السياسيون العراقيون المؤتلفون والمتوافقون سبل إحلال الأمن مكان البحث في مواضيع تزيد من الخلاف والاقتتال ؟
ان الوضع العام في العراق لا يحتمل مجازفات جديدة او استئثار في سلطة منقوصة وان سياسة تهميش الآخرين وإضاعة الفرص والخوض في غمار قوانين تحسم مستقبل العراق في ظل وزارة تقوم على أساس محاصصة غير عادلة بنيت على أسس طائفية وعرقية وعليه فان الخيارات والبدائل تصبح محدودة بين العنف وما هو أخطر منه ولهذا فان الوقت ليس من صالح احد ما لم يتوقف التدهور في الموقف السياسي والأمني الخطير فيما كان يعرف بالعراق.
كاتبة عراقية