يسير العالم بخطوات سريعة جدا نحو الفضاء الإلكتروني الذي لم يعد مجرد تفصيل تكميلي في حياة الفرد منا أو المجتمع، بل هو ركيزة أساسية تتمحور حولها حياتنا العامة والخاصة على حد سواء، ويصعب ـ حاليا ـ مجرد ادعاء القدرة على التخلي عن أي من المكتسبات التكنولوجية التي غزت العالم عموما ـ والعالم العربي خلال العقدين الأخيرين خصوصا ـ ، وأخذت ترسخ نفسها بوصفها جزءا أساسيا لا يتجزأ من حياة الأفراد والجماعات، فمثل هذا الادعاء يبدو ضربا من الخيال.
إلا أن الواقع الإلكتروني الذي يشهد تطورا لحظيا يبلغ أحيانا حدّا يتجاوز الخيال أضعافا مضاعفة. هذا ما تؤكده لنا الأخبار التكنولوجية التي تصلنا طازجة عبر شبكة الإنترنت.. الإنجاز الأكثر فرادة في عالم التكنولوجيا السلمية.
يمكن أن نطلق على ما يحدث حولنا ـ ونحن نقف موقف المتفرج كعادتنا ـ تعبير الجنون التكنولوجي؛ فكثير مما يحدث على مستوى التكنولوجيا المُعدَّة لحالات الحرب والسلم على حد سواء يتجاوز كل ما يمكن أن ننشغل نحن ـ العرب ـ بالتفكير فيه، ذلك أننا اعتدنا على التفكير في كيفية الحصول على ما يصنعه الآخرون، ثم في كيفية استخدام ما يصلنا منه.
ولم ننشغل قط بالتفكير في كيفية التوصل إليه، أي الأسباب التي قادت إلى التفكير فيه وابتكاره، أو التوصل إلى ما بعده، أي الخطوة التالية المترتبة على هذا الاختراع، لذلك لا نملك إلا أن نفغر أفواهنا دهشة أمام كل صرعة تكنولوجية تصلنا من المصادر التي أصبحت متعددة، في حين ظل المستقبل واحدا، وهو العالم العربي.
إن الذهن يقف عاجزا عن التصديق أمام كثير مما يتوصل إليه العقل المبدع في المجالات التكنولوجية في شرق العالم وغربه، كما يعجز أحيانا عن استيعاب حجم التجارب التي تمت في سبيل الوصول إلى ما تم الوصول إليه فعلا. وأحيانا يعجز الذهن عن تصور ـ مجرد تصور ـ الكيفية التي تم بها الوصول إلى فكرة جهاز إلكتروني ما، أصبح حقيقة مادية لها وجود في العالم الواقعي!.
ومتتبع الأخبار التكنولوجية لابد أن يقف أمام الكثير من الابتكارات التي تسير بالعالم بخطوات سريعة جدا نحو عصر تكنولوجي بامتياز على مختلف الأصعدة، في عالم أصبح نصف سكانه يتواصلون عبر الهواتف المحمولة ـ بحسب إحصائية حديثة ـ ، لأن رقعة اشتراكات الخطوط الهاتفية امتدت لتشمل جزءا كبيرا من خارطة العالم، بدءا من المزارعين الأفارقة حتى عمال المصانع في الصين، بحسب تقرير أعدته شركة مسح بريطانية الشهر الماضي.
وفي الشهر الماضي نفسه، طرحت شركة آبل هاتفا جديدا يُسمّى إي فون، مع توقعات شديدة بأن يغير هذا الهاتف شكل صناعة الهواتف المحمولة كليا، وهو عبارة عن هاتف مزود بمشغل للموسيقى والفيديو، ويجمع بين وظائف الهاتف، ومتصفح الإنترنت، ومشغل الوسائط المتعددة، وقد لقي إقبالا منقطع النظير من محبي التكنولوجيا ـ من فئات عمرية مختلفة، بعضهم تجاوز الستين ـ وقد اصطفوا أمام متجرين للشركة المصنعة في نيويورك انتظارا لموعد فتحهما حتى يحصلوا على الجهاز بمجرد أن تُفتح المحلات، بما يوحي بأن عددا كبيرا من سكان العالم أدمن التكنولوجيا، وربما لهذا السبب أنشأت الصين مركزا للعلاج من إدمان الإنترنت قبل عدة شهور!.
وفي هذا العصر الذي يتنفس التكنولوجيا، تتواصل الاختراعات التي تكشف عن قدرات وإمكانيات إبداعية مذهلة، كامنة في الإنسان، لابد أن تظهر للنور متى ما واتتها الفرص، وتهيأت لها الظروف. ومن أمثلة ذلك المشروع الذي أطلقته شركة البحث العملاقة (غوغل) في عالم النقل والمواصلات، وهو مشروع سيارة هجينة، يمكن أن تضاعف من كفاءة السيارات، وتسمح لها بتوليد الكهرباء وبيعها مرة أخرى لشبكة الكهرباء. وقد أطلقت مبادرتها هذه بتحويل ست مركبات هجينة إلى مركبات يتم توصيلها بالكهرباء كي يكون بالإمكان شحن بطارياتها عبر وصلها بمقبس كهرباء عادي.
وتعتزم هذه الشركة توسيع البرنامج لبناء أسطول مكون من مئة سيارة بها خاصية التوصيل بالكهرباء، بما يمكن موظفيها من أن يقوموا بتأجيرها وإعادة شحنها مرة أخرى في حظيرة سيارات مغطاة بألواح توليد الكهرباء عبر الطاقة الشمسية. أما هدف الشركة من هذا المشروع فقد لخصه لاري بريليانت رئيس مجلس إدارة شركة غوغل دوت أورغ بالرغبة في إقامة نظام طاقة صديق للبيئة، يكون أكثر أمانا وكفاءة.
وليس هذا فقط ما يتعلق بآخر الابتكارات التكنولوجية في عالم النقل والمواصلات، إذ تتقاصر قامة هذا الاختراع أمام اختراع آخر، تم الإعلان عنه الشهر الماضي في مدينة فرانكفورت الألمانية التي ستشهد تجربة تكنولوجية رائدة، سيبدأ تنفيذها من نوفمبر المقبل، وتستمر لمدة أربعة أعوام. يمكن تلخيص هذه التجربة الفريدة من نوعها بأنها عبارة عن حديث بين السيارات، لتجنب وقوع الحوادث بحسب ما ذُكر في بعض المواقع الإنترنتية!
إذ ستُزوّد السيارات بحساسات وشرائح وصناديق لنقل المعلومات بين السيارات وبعضها ومراكز التحكم المرورية، وستتمكن السيارات من معرفة حالة السير على الطرق، وأماكن تكدس السيارات بسبب الاختناقات أو الحوادث، فتقوم بتجنبها. كما سيعمل هذا النظام على تحذير السيارات القادمة بسرعة على منطقة اختناق مرورية.
وبعيدا عن عالم النقل والمواصلات، وانتقالا إلى ميدان مزارع الحيوانات، سنجد صرعة تكنولوجية أخرى، إذ تم الإعلان عن ابتكار علماء استراليين طريقة جديدة تمنع الحيوانات من الهرب عبر استجابتها لنبضات كهربائية من أجهزة على أعناقها.
وستقلّص هذه الطريقة عدد الحيوانات الضالّة، كما ستُغْني المزارع عن الحاجة إلى الأسوار المعروفة لحمايتها من الهرب، إذ سيصدر صوتٌ عن الطوق بمجرد أن يقترب الحيوان من السور الافتراضي للمزرعة، وفي حال استمر الحيوان في طريقه فإن الطوق سيصدر صدمة كهربائية خفيفة لإجباره على التراجع. وبهذا تتم المحافظة على الحيوان من الهرب.
ولا بد أن يكون نظام الحماية الأمني متماشيا مع الواقع الافتراضي الذي ستسير المزارع وفقه ـ شأنها شأن بقية التفاصيل الحياتية ـ لحماية الحيوانات من السرقة، كأن يصدر صوت تنبيهي عال عند استمرار ابتعاد الحيوان عن السور الافتراضي، أو انتقال الصدمة الكهربائية من الحيوان إلى سارقه لإجباره على إخلاء سبيله بحيث يتمكن من العودة متبعا الإشارات الكهربائية الصادرة عن الطوق المعلق حول عنقه.
وإذا كان حديث السيارات، وأطواق الحيوانات، يبدو قريبا من الخيال إلى حد ما، فإن الخيال نفسه هو الخبر الذي ذُكر في إحدى المجلات العلمية، والذي يفيد بإمكانية العناق عبر الإنترنت! وبهذا، تدخل التكنولوجيا في صميم العلاقات الإنسانية الحميمة، بحيث تتحقق فعلا دعوى دخولها وتدخلها في جميع تفاصيل حياتنا العامة والخاصة على حد سواء.
أما كيفية هذا العناق فإنه يتم بواسطة سترة خاصة موصولة بالشبكة وبتقنية البلوتوث، يستطيع أن يرتديه كل من يرغب بالعناق مهما تباعدت بينهم المسافات! ليس هذا الخبر جديدا طبعا، لكن إذا كانت هذه هي الحدود التي وصلتها التكنولوجيا حاليا، فما الحد الذي يمكن أن تبلغه مستقبلا؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن ننشغل به ونحن ننتظر جديد العصر التكنولوجي في قادم الأيام
جامعة الامارات