لا يختلف اثنان على خطورة الوضع اللبناني، والتعقيدات التي تحيط به وأكثرها من خارج حدوده.ولا يحتاج المرء جهد عناء لكي يحدد مكمن هذا الخطر بالرغم من المؤشرات التي تتحدث عن الخطر القادم من الشرق والشمال.
لا ينفي أصدقاء سوريا في لبنان أن الانسحاب السوري الذي تم في أبريل عام 2005 كان صاعقا عليهم وعلى السوريين، في أعقاب جريمة العصر التي أودت بحياة رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري،كما أن نتائج الانتخابات التشريعية التي أعقبت ذلك الانسحاب أعطت التيار الاستقلالي المتمثل بتيار المستقبل الأكثرية داخل مجلس النواب مما وضع هذا التيار بمواجهة صعبة مع تيار المقاومة الذي يمثله حزب الله الذي يملك أيضا حضورا كبيرا على الساحة اللبنانية استطاع أن يكونه عبر تاريخ طويل من القتال ضد الاحتلال الإسرائيلي استمر أكثر من عشرين عاما،توج في نهاية الأمر بفرض الانسحاب على إسرائيل في 25 مايو عام 2000.
هذان التياران وإن اختلفا في التوجهات إلا أنهما متفقان في جوهر كينونة لبنان ومصيره،لأنهما يدركان أن هذا المصير لا يمكن أن يكون إلا في إطار استقلالي من دون أن يقاطع جواره العربي المعادي لإسرائيل.
كان لاحتلال القوات الأميركية للعراق والمقاومة التي واجهتها بعد سقوط النظام العراقي، والمأزق الكبير الذي واجهه وما زال يواجهه الأميركيون في العراق الأثر الكبير في تنامي الشعور المقاوم في العالم العربي والدور الكبير في نشأة التيارات الأصولية في العالم العربي،وتحولت ساحة العراق إلى مسرح لكل المعادين للولايات المتحدة ابتداء من تنظيم القاعدة الذي تلقى ضربة قوية في أفغانستان وانتهاء بالحركات القومية التي ترى الأميركي عدوا،فتحولت الساحة العراقية إلى مكان آمن لكل المعادين لأميركا نظرا لعدم قدرة الاحتلال على السيطرة الأمنية على مجمل أرض العراق،بعد أن حل كل أجهزة الدولة الأمنية وتم تسليم البلاد إلى الميليشيات المسلحة التي كانت ترتبط بالخارج، وخاصة بإيران.
كان بين هؤلاء مجموعات لبنانية بعضها ارتبط بحزب البعث العراقي،وبعضها الآخر ارتبط بحركات إسلامية أصولية في فترة زمنية سابقة واعتقل واضطهد بعضهم في فترة الوصاية السورية على لبنان.
ومع عودة هؤلاء إلى لبنان بعد خروج القوات السورية وجدوا أنفسهم في فراغ سياسي بعد أن تبدد حلمهم القومي بسقوط النظام العراقي، وحلمهم الإسلامي بعد أن فشلوا في إخراج الأميركيين من العراق، وتحول القتال ضدهم إلى قتال ضد أبناء العراق من الشيعة والسنة الذين انخرطوا في العملية السياسية والمشاركة في بناء دولتهم التي دمرها الاحتلال بعد أن صادرها النظام السابق لمصالحه الشخصية.
هذا الضياع الذي غرق فيه بعض من عاد من العراق إلى لبنان في فترة احتدام الكلام المذهبي وقرب الاقتتال الشيعي السني،بعد أن روجت الإدارة الأميركية لذلك وصورت حزب الله بعد انتصاره في حرب يوليو الماضي وكأنه يحمل مشروع الدولة الشيعية في لبنان، دفع بأبناء الشمال اللبناني وجميعهم ينتمون إلى الطائفة السنية إلى الانجراف في تيار أصولي لعبت فيه القاعدة دورا كبيرا في تجنيدهم مثلهم مثل أبناء البقاع الغربي الذين وجدوا في الفكر المتشدد ضالتهم للعب دور ما على الساحة اللبنانية بعد أن فشلوا بتحقيقه في العراق.
ما يجري في لبنان محاولة لعرقنته بأيد لبنانية كان لها تجربة كبيرة في العراق وهي تعود محملة بما اكتسبته من خبرة قتالية وتنظيمية،وبما شاهدته من قتل على الهوية المذهبية،وهو ما يجب أن تدركه القيادات اللبنانية وخاصة تيار المستقبل وحزب الله بصورة خاصة.