عرفت الشعوب والمجتمعات ظاهرة الخطف كنمط من الثقافة والسلوك المجتمعي، فالكثير من الشعوب مارست فرسانها خطف الحبيبة عندما ترفض العائلة العلاقة الناتجة عن حب مرفوض وشخص من خارج نطاق القبيلة والنبالة، فيقرر المحبون والعشاق الهروب على حصان رومانسي، لتحقيق الأحلام والغايات، فتهتز العائلة من داخلها وتنشب أزمة حادة، غير أن رومانسية الغجر دائما كانت مولعة بالخطف كجزء من قيمها وتركيبتها، بينما قدم لنا القراصنة نموذجا فريدا للخطف البحري فانتشرت حكاياتهم وتحولت بعضها إلى قصص أسطورية ولم تتوقف القرصنة البحرية حتى يومنا هذا فاستعار الأدب السياسي مصطلح القرصنة في عملية الخطف الإرهابي وتزييف البرامج وترويج السلع المزيفة .
والغريب أن تقارير نقلتها بعض من الصحافة الهندية أن الخطف حالة قائمة في بعض الولايات الهندية تمارسها الطبقة الوسطى عندما تجد بناتها عرضة للتأخر عن قطار الزواج مما يعرضهم للقيل والقال والخوف على مستقبل بناتهم، فيمارس الأب مقايضة مع الخاطف كلعبة ثنائية، وتلك هي الغرابة من حيث نوع الاتفاق باختيار شاب بمهنة تكنوقراطية ومرموقة يقوم بخطف الابنة .
وبذلك يتجنب الخاطف تكاليف الزواج والعزوف عنه، مقابل أن يحقق له الأب كل أحلامه في وسط اجتماعي بدأ يتخلص من موروثه الثقافي وينزع نحو عقلية الحداثة، بينما ظلت هناك عائلات هندية لا تزال متشبثة بجذورها وثقافتها التقليدية . بعد تلك الصفقة تتم لعبة الخطف والزواج، بعلم الزوج الخاطف والأب المتآمر بنية حسنة . ولكن الخطف في العقود الأخيرة تجاوز مجاله الرومانسي والاجتماعي والقراصني وانخرط في اللعبة السياسية الخطرة بهدف تحقيق أهداف محددة وإضفاء ضجة إعلامية على أهداف الخاطفين .
ففي السبعينات تعرف العالم على موجة خطف مارستها الحركات اليسارية المتطرفة والمنظمات الفلسطينية كجزء من نضال حركة التحرر الوطني، فشاهدنا الخطف والخطف المتبادل بين الفلسطينيين والإسرائيليين دون أن يحقق نتائج لكلا الطرفين، فشاهد الفضاء والبحر عمليات خطف أصابت العالم بالذعر، كما صفق لها طابور عريض من المعجبين، فانتهت تلك المرحلة، خاصة وان ذاكرة تلك الأحداث ظلت دامية لدى العالم.
كلما تذكرنا كيف اغتالت الألوية الحمراء الايطالية الدو مورو. وتكررت العملية مع رجال أعمال ومصرفيين في مناطق عديدة من العالم بهدف المقايضة المالية فكانت الرهائن البشرية مسرحا وأداة للرعب السياسي والأمني. وتعتبر ظاهرة الخطف في اليمن واحدة من القضايا الأقرب للابتزاز حيث تعرض القبائل رهائنها للمقايضة مع الحكومة المركزية غايتها في الخطف لفت الأنظار وبتسليط الضوء الإعلامي إلى أوضاعهم والحجة إصلاح البنية التحتية في مناطق القبيلة ! وحالما تنتهي الأزمة نسمع المخطوف بعبارته التقليدية، انه تلقى معاملة حسنة وضيافة كريمة!.
ومازالت كوبا تتعرض حتى يومنا هذا لخطف طائراتها، غير أن المدرسة الأمنية الكوبية هي مدرسة روسية إذ لا تقبل السلطات التفاوض مع الخاطف مهما كانت النتائج ولا تلتفت إلى ابتزاز الخاطف برهائنه. وعلى مدار سنوات الحرب الأهلية اللبنانية تعرضت الأطراف جميعها للخطف وكانت بعضها ممنهجة ومفتعلة يمارسها الصغار وصاية، للكبار، والذين يرغبون التفاوض وإظهار أنهم قادرون على مسك خيوط الأمن في الساحة السياسية.
وبذلك يخرج المخطوف بعد قبض الثمن الباهظ سياسيا أو ماليا ويتم توزيع الأسهم بين الوكلاء والمنفذين . وتستشري عملية الخطف في الحروب كما نراها في العراق وأفغانستان وكولومبيا إذ تحتل الصدارة فمنها ما هو خطف سياسي وإرهابي ينتهي بالذبح والتصفيات الجسدية ومنها ما ينتهي بالتسويات والصفقات ومنها ما هو محدود وشخصي يدفع ثمنها أهل المخطوف للخاطفين ثمنا لتحرير الرهينة (الفدية!).
وقد شهدنا في الصيف الفائت خطف الجنود عند نقاط التماس الحدودية اللبنانية وغزة وبسببها اشتعلت الحرب، هذا إذا لم يكن الخطف مجرد ذريعة لإشعالها. وتبدو قضية خطف الصحافيين في غزة كقضية مراسل البي بي سي، جونستون، تثير التساؤلات بعد أن شهدنا في القطاع تقاتل الفصائل بعنف لم يسبق له مثيل وانفلات امني بين الشريكين السياسيين في السلطة، وسقوط أعداد وشخصيات بيد مجموعات فصائلية تنتهي بتراشق الاتهامات دون أن يقف الخاطفين والجناة أمام القضاء !! . ويدخل جونسون أسبوعه العاشر ( الخطف تم في 12 مارس /2007) وهو الذي مكث في القطاع ثلاث سنوات يتحرك فيها دون سلاح وبعلم الجميع .
وبما أن القصص والفانتازيا السياسية في لعبة الخطف مسألة رائجة، فان الملثمين المولعين بلعبة الخطف كسلوك منفرد أو خطة سياسية مفتعلة لا تجعلنا نحترم الأهداف الفعلية للخطف ولا مسرحيتها الغريبة . فهل يتوق الجميع قبض الثمن من الدعاية والإعلام بما فيهم الصحافي الذي ينتظر كتابة مذكراته طالما أن المذكرات المغامرة بات ثمنها في الغرب مجزيا كمسلسلات درامية.
ما يضحك ونحن من يقول شر البلية ما يضحك هو أن القوى السياسية والمعنية بالأمن في القطاع أربعة أطراف مهمة فيها فتح وحماس وإسرائيل، فإذا ما عجز الجميع امنيا من معرفة أين جونستون في مربع لا يتعدى كيلومترات كقطاع غزة فماذا سيفعلون لو كانوا معنيين بحماية امن الصين والهند ؟!
والسخرية تبديل الأسماء من كتائب التوحيد والجهاد إلى جيش الإسلام، وما أسهلها من أسماء تحاك للحظة بالإضافة إلى المقايضة برأس أبو قتادة، إذ باتت التهم الموجهة للإرهاب والحركات الإسلامية غاية في ذاتها، وصرعة سياسية، لكي توصل تلك المجموعة الخاطفة للعالم في هذه العملية الممسرحة والمغامرة إنهم وحدهم من لا يودون الأمن والاستقرار في القطاع وبأن هناك قوة قادرة على ضبط الأمن وهي التي تسعى في التفاوض على تحريره فبدا المخرج هو كاتب السيناريو والمنتج معا .
ومن تابع الجهات العظمى والمنظمات وترويج القصص السينمائية يشعر أن الموضوع اكبر بكثير من مجرد ربطها بتنظيم القاعدة وبصغار ملثمين ومسلحين يلهون بلعبة الخطف في محيط واسع من الملثمين الحيتان . وبهذا نصل إلى استنتاج أكثر واقعية إن من خطف جونستون جهة تدرك لعبتها، وحسن ضيافتها، للمخطوف وتبحث عن صفقة ثنائية قد تكون قريبة عندما يحل الأمن ويخرج فيها الجندي الإسرائيلي والصحافي البريطاني المؤمن على حياته في شركات التأمين !!، بينما من نفذوا الخطف ليسوا إلا أدوات صغيرة لمقاولين كبار يحسنون اللعبة الأمنية - السياسية معا وقد خبرتها الساحة اللبنانية منذ وقت طويل.
كاتب بحريني