في زياراتي الأخيرة لبعض الدول، لاحظت أنها تسابق الزمن لتحقيق إنجازات في النمو الاقتصادي والعمراني وتطوير البنية التحتية، لم لا؟ فالعالم كله يشهد قفزة نوعية في جميع المجالات وخاصة في الحياة المعيشية داخل المجتمعات، لكن مقابل ذلك خرجت بانطباع أن هاجس حكومات هذه الدول الأكبر والرئيسي هو الأمن، وهذا شيء طبيعي فالأمن عمود التنمية ولا يمكن تحقيق الاستقرار بدونه، لكن أي شيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده، كما يقال.
والسؤال هو لماذا ونحن نعيش في عصر يشهد كل هذا التقدم ونتنافس على الارتقاء والتطور مازال الهاجس الأمني هو الشاغل الأكبر لبعض الحكومات حتى أصبح نظامها يقوم عليه؟
في مناقشة مع أستاذ متخصص في مجال التنمية قال: مشاكل شعوب العالم الثالث بدأت مع سيطرة مجموعة من الإقطاعيين وأصحاب رؤوس الأموال على الحكم في أوروبا والذين كان همهم جمع ونهب الأموال العامة، وتفاقمت مع ظهور فكرة الاستعمار والسيطرة على ثروات الشعوب عندهم.
ومع خروج الاستعمار شكلياً في منتصف القرن الماضي خلف وراءه مشاكل داخلية في كل الدول وفيما بينها لأنه طبق نظرية «فرق تسد» لكي يستطيع التدخل متى شاء وكيفما شاء، بحجة حل الصراعات والنزاعات فيما مضى وبحجة الإصلاح في الوقت الحالي.
فعلى سبيل المثال المشاكل المختلفة والضغوط والأزمات التي عانت وتعاني منها الكثير من الدول وأبرزها فلسطين وكشمير وتقسيم الكوريتين هي من مخلفات الاستعمار، ولا شك أن استمرارها يخدم مصالح الفكرة الاستعمارية والرغبة الدائمة في السيطرة، مما خلق مشاكل أمنية لا حصر لها.
واتفقنا على أن المشاكل الأمنية لها شقان، شق محلي وآخر خارجي، فأما المحلي فسببه الحرص الأمني المبالغ فيه الذي تقوم به بعض الحكومات للتعامل مع مشاكل مواطنيها وهذا ما تعتبره من حقها لدرء الأخطار التي تنتج غالباً عن انتشار الفقر والبطالة وكبت الحريات. فالمواطن في أغلب هذه الدول محروم حتى من المشاركة برأيه في تنمية وتطوير وطنه، ودوره شبه معدوم فهو يقرأ ويسمع عما يدور في بلده عبر وسائل الإعلام، كما هو حال الأجنبي.
ولا توجد لدى هذه الحكومات الشفافية الكافية فيما يخص مشاريعها الجارية أو خططها المستقبلية لأن هناك فئة تتحكم ومصالحها الخاصة تأتي فوق المصلحة العامة وهذه الحكومات في أغلبها لم تأت عبر اختيار شعبي وبرنامج واضح تجتهد على تحقيق ولو جزء منه، ولو جاءت هذه الحكومات بإرادة شعبية لاستطاعت على الأقل أن تتفهم معاناة من اختاروها من هنا تتسع الفجوة بين الحكومات وبعض الفئات من المواطنين.
وقد تابعت وتابع الكثيرون معي على إحدى الفضائيات مواطناً يبكي على حالة ابنه الذي يقول إنه خريج تجارة بأعلى تقدير مع ذلك فهو عاطل عن العمل منذ سنوات، وقد يكون هناك آلاف من أصحاب الشهادات العليا عاطلين عن العمل، مع ذلك فهم أحسن حالاً من غيرهم في بعض الدول، الذين لا يحق لهم حتى التذمر أو الشكوى!!
سواء في عدم تحصيل التعليم اللازم أو من غلاء المعيشة وهذه هي أبسط الحقوق التي على الحكومات توفيرها لمواطنيها، وهكذا تكبر المشاكل وتزداد المظالم التي تولد حالات اجتماعية تعكر أمن المجتمع واستقرار أفراده، وبدورها تعمل الحكومات جاهدة بكل أجهزتها الأمنية لملاحقتهم والقضاء عليهم، وأحياناً تفبرك أدلة مبالغا فيها لزرع الخوف في قلب المواطنين وتكبيل حريتهم.
ولو كرست جهودها بدل ذلك لحل مشاكل المجتمع من جذورها لما وصلت الحالة الداخلية إلى هذا الحد من السوء. أما الشق الثاني فهو الشق الخارجي وسببه الأساسي هو تحكم القوى الكبرى ومحاولة السيطرة على ثروات الدول الضعيفة مع أنها الأقوى والأغنى ولا تحتاج إلى أكثر مما هي عليه، فعلى سبيل المثال الاستعمار الغربي كان له الدور الأكبر.
فيما وصلت إليه الشعوب في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، خاصة في الدول التي لم يخلف فيها شيئا يذكر أكثر من الجوع والفقر، مع أنها تزخر بمصادر ثمينة وثروات استغلها المستعمر أكبر استغلال واستفاد منها لمصلحته وعمل على قهر الشعوب وسفك دمائها وتقييد حرياتها، وهذا كله ولد الانفجار داخل المجتمعات وافرز حالات لم ترض بالوضع.
يقول الأميركي الحر والمخرج العالمي والمشهور مايكل مور في كتابه «يا صاحبي أين بلادي؟» ان برنامج جورج بوش للأمن القومي لن يحقق أمناً لأميركا، ويطرح مجموعة من التساؤلات على حكومة جورج بوش منها:
ـ كيف توقفون الإرهاب؟: توقفوا انتم عن الإرهاب.
ـ علينا أن نعترف بأننا من صنع الإرهاب بسلوكنا الأناني تجاه العالم.
ـ عندما يقتلون مدنيين منا تقولون هذا إرهاب، أما اذا قتلنا منهم عشرات الآلاف كما هو حاصل في العراق وأفغانستان تقولون إنها عمليات إجبارية.
ـ عندما تقومون بانقلاب ضد زعيم دولة ينتخب ديمقراطياً أفعلوها صح، ولا تفرضوا على شعوب هذه البلاد دكتاتوراً من صنعكم كما فعلتم في تشيلي، واندونيسيا وغواتيمالا.
ـ لكي تكونوا جادين في دعوتكم لنشر الديمقراطية في العالم لا تحاربوا النتائج التي أفرزتها الديمقراطية في بعض البلاد.
هذا ليس إلا صوت رجل واحد لكنه يعبر عن ثورة الغضب المستمرة في أميركا وجميع أنحاء العالم والمكبوتة سواء من الخوف أو من قلة الحيلة وهكذا تضيع الشعوب بين ظلم أقوياء وجبابرة الخارج وطمعهم وبين مآسي ومعاناة الداخل مما يولد مشاكل أمنية في الدول وبين الدول.
هل هذا تقصير من حكومات هذه الدول لأنها لا تريد معالجة مشاكلها الداخلية من جذورها؟ مما أعطى الفرصة لمجموعة تستغل فئة مشحونة بمشاعر الغضب والاستياء وتحرضها وتوظفها لمصلحتها لزعزعة امن الدولة والمجتمع وخلق جو من عدم الاستقرار والأمان««، ام هذا هو العالم الحر المتحضر الذي تطالب به القوى الكبرى؟ ام هي النهضة العلمية والاقتصادية والرفاهية التي تقدمها الحكومات لشعوبها في القرن الواحد والعشرين.
كاتب إماراتي
sultan654@hotmail.com