ردا على لغة الإنذارات الأنجلو أميركية العدائية التي تهيمن على القرار الأممي في مجلس الأمن الدولي بفرض مزيد من العقوبات ضد السودان إذا لم يذعن للضغوط الغربية لنشر قوات دولية في دارفور فورا، أبدت دوائر رسمية وشعبية، عربية وإفريقية وإسلامية في مقدمتها مصر العربية دهشتها واستغرابها لردود الفعل غير المنطقية وغير الطبيعية على التجاوب السوداني المرن مع الجهود الأممية والإفريقية والعربية في اتجاه الحل السلمي لمشكلة إقليم دارفور.
إذ أن الأسوياء والعقلاء الذين يسعون إلى وحدة وسلام السودان هم الذين اجتمعوا في الرياض برعاية العاهل السعودي على هامش القمة العربية ليصلوا إلى توافق بناء يحفظ للسودان سيادته وحقه في الرفض أو الموافقة على القرار الأممي 1706 لفرض الإذعان والوصاية على السودان بقبول تدخل قوات عسكرية أممية تحت لافتة فرض السلام في دارفور، وقد تجاوب السودان مع الأمين العام للأمم التحدة والمفوض العام للاتحاد الإفريقي والأمين العام للجامعة العربية بالموافقة لأول مرة على دعم القوات الإفريقية في دارفور بمعاونات لوجستية أممية قوامها ثلاثة آلاف جندي.
لكن الذين تمتلئ قلوبهم بالعداء لوحدة وسلام السودان، والذين تتحالف لديهم مطامح الهيمنة السياسية بل والعسكرية، ومطامع السيطرة الاقتصادية، ومشاعر الهوس الديني والإسلاموفوبيا في واشنطن ولندن تجاه الوطن العربي والأمة الإسلامية والقارة الإفريقية، والذين أفقدتهم مشاعرالعداء سمات العقلاء الأسوياء فجاءت ردود فعلهم العمياء مثيرة للأسى والإشفاق على الموقف السوداني السوي والعاقل.
وبدلا من الترحيب بالكلمات بموقف حكومة السودان وما تم في الرياض من تفاهمات، وبدلا من التشجيع بالمكافآت لدفع بقية الأطراف المتمردة لإلقاء السلاح والتوقيع على اتفاقية أبوجا للوصول إلى السلام الحقيقي من دون تدخل أية قوات افريقية أو أممية إلا لحفظ السلام طبقا للاتفاق، إذا بالسلام الأنجلو أميركي المزعوم المراد تحقيقه في دارفور.
كما يدعون يتكشف، وإذا بكل أوراق التوت التي تخفي النوايا الشريرة تسقط فجأة، وإذا بالرئيس الأميركي وتابعه البريطاني يوجهان الإنذارات والتهديدات للسودان بالعقوبات والتدخل العسكري بالقوة في مستنقع جديد للفشل، وهو المرفوض من شعبه ومن حلفائه ومن عالمه الذى يرثى لحاله الآن بسبب مايتلقاه من صفعات شبه يومية في واشنطن وعلى جبهات حروبه العدوانية، نتيجة اندفاعاته الفاشلة بحماقة القوة في مغامراته المهزومة في العراق وأفغانستان وفي الصومال، وفي محاولاته «الصليبية» المحمومة لعزل وحصار سوريا والسودان وإيران، لينتهي به الأمر بعزل نفسه وحصار توابعه وجلب الكراهية لبلاده.
والطبيعي والمنطقي هو التعلم من التجارب الفاشلة العديدة لقوى الهيمنة الاستعمارية القديمة والجديدة معا في أن محاولات إعادة عصر الاستعمارالذي ولّى عصره قد أصبح مغامرة فاشلة، ومقامرة خاسرة في ظل الإصرار على المقاومة لدى الشعوب، وأن لغة الإنذارات التي يطلقها الأقوياء الفاشلون في العراق وأفغانستان وفي فلسطين ولبنان لم تعد تخيف الضعفاء الذين يدفعون الدم ثمنا للحرية، وأن سلاح العقوبات الذي أدمنه الأغنياء لن يفلح في إخضاع الفقراء الذين يدفعون الخبز ثمنا للكرامة.
إن الطبيعي والمنطقي أولا هو ما تجاوبت فيه حكومة السودان بتوقيع اتفاقية «أبوجا» للسلام مع كبرى الفصائل المتمردة بالسلاح في دارفور، برعاية الاتحاد الإفريقي وبمشاركة الجامعة العربية و«زوليك» الأميركي، والتي تستجيب للعديد من متطلبات علاقة متوازنة بين الإقليم والمركز، وغير الطبيعي وغير المنطقي بعده أن تدعم واشنطن ولندن الفصائل التي لم توقع واستمرت في التمرد المسلح، بينما تهدد وتندد بالخرطوم وتوزع الاتهامات وتفرض العقوبات!
والطبيعي والمنطقي ثانيا هو تجاوب السودان مع الجهود الأممية والإفريقية بتوقيع اتفاق «أديس أبابا» مع الأمم المتحدة بمشاركة الجامعة العربية و«جوناثان» الأميركي في العام الماضي، والذي يقبل فيه السودان دعما أمميا لقوات افريقية تبلغ حاليا سبعة آلاف جندي، وهو الاتفاق الذي يعرف باسم «اتفاق الأحزمة الثلاثة»، ويقبل فيه السودان في المرحلة الأولى دعما لوجستيا أمميا، وفي الثانية دعما بقوات أممية محدودة تقدر بثلاثة آلاف جندي، وفي الثالثة يصل عدد القوات إلى عشرين ألفا بقيادة الاتحاد الإفريقي وليس الأمم المتحدة.
والطبيعي والمنطقي هو أن «دارفور» إقليم سوداني كل أهله مسلمون، بل من دارفور دخل الإسلام إلى بقية أقاليم السودان، والنزاع في هذه الحالة بين مسلمين سواء من أصول عربية أو افريقية فما شأن غير المسلمين الأوروبيين والأميركيين المسيحيين للتدخل بشؤون المسلمين..
والطبيعي والمنطقي أن السودان بلد عربي وافريقي مستقل وذو سيادة، لا بريطانياً ولا أميركياً، وغير الطبيعي وغير المنطقي ألا يتولى السودان حل مشاكل أبنائه السودانيين بواسطة أبنائه السودانيين، فإن عجز عن ذلك لجأ إلى الأطراف الأقرب إلى أطراف المشكلة، وهم بالترتيب الجامعة العربية، فالاتحاد الإفريقي، فمنظمة المؤتمر الإسلامي، فالأمم المتحدة وفقا لإرادته وطبقا لسيادته.
إنهم في واشنطن ولندن لا يريدون سلاما في دارفور ولاوحدة للسودان، بل هي السيطرة لهم وحدهم على النفط وحرمان الصين وماليزيا من نفط السودان، وضرب الإسلام والعروبة سواء في آسيا أو افريقيا، وخططهم تجاه السودان ووضعهم له في قائمة الدول الراعية للإرهاب منذ عام 93، وفرض قانون «أمن دارفور» وسلام «السودان» وانتهاء بفرض العقوبات الأميركية والأممية عليه واضح للعيان، استجابة لجماعات الضغط الصهيونية والأنجليكانية والزنجية الأميركية المعبأة بالعداء لعروبة وإسلام واستقلال السودان.
إن تقسيم المقسم وتجزيء المجزأ من أقطار العالم العربي والإسلامي تجري على قدم وساق من آخر حدود الوطن العربي على المحيط الأطلسي إلى آخر حدود الأمة الإسلامية على المحيط الهادي، من العراق في المشرق العربي إلى الصحراء الغربية في المغرب العربي، ومن تيمور الإندونيسية في آسيا حيث أكبر الدول الإسلامية سكانا إلى دارفور السودانية في إفريقيا حيث أكبر الدول العربية أرضا.
والمطلوب هو عدم ترك المجال لبقاء أو لنمو أية قوة إقليمية عربية أو إسلامية، ولهذا تتجه محاولات الإنهاك الاقتصادي، والحصار السياسي، وإثارة الفتن والاضطرابات العرقية والدينية والسياسية إلى الدول الكبيرة مساحة أو سكانا أو وزنا استراتيجيا والدول الصغيرة التي لا تقبل الخضوع لسياسات الهيمنة، تحت دعاوى مختلفة وشعارات براقة تخفي وراءها أجندات تستهدف في النهاية الإضعاف بالإنهاك أو التقسيم.
وعلى الأرض السودانية كنموذج لهذه المؤامرات العديد من المشاهد على مدى نصف القرن الأخير منذ استقلاله عن مصر عام 56 وحتى اليوم من جنوبه إلى شماله ومن غربه إلى شرقه تشير كلها إلى استمرار مسلسلات التمرد الساعية إلى الانفصال.
وذلك عبر سلسلة من الحروب الأهلية المدعومة غربيا من خلال أطراف إقليمية، التي ما إن تطفأ نيران واحدة في الجنوب بمعاهدة في «نيفاشا» حتى تندلع في الغرب، وما ان تلوح في الأفق نهاية لها في «أبوجا» حتى تتأهب للتفجر في الشرق في الطريق إلى «أسمرة» للبحث عن حل.
إن الاستهداف الدولي الموحد لنشر «الفوضى البناءة» في الدول العربية والإسلامية والإفريقية والذي تلعب الأدوار الرئيسية فيه الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل وبعض الدول الغربية والتي تستهدف تقسيم المقسم وتجزيء وحدة هذه الدول بهدف إضعافها وإخضاع إرادتها وفقا لسياساتها الهادفة إلى فرض الهيمنة السياسية عليها عن طريق إثارة النزاعات والفتن الداخلية بين أبناء الوطن الواحد لتبرير التدخلات الأجنبية العسكرية لابد أن يقف في مواجهته رد موحد عربي وافريقي وإسلامي يوحد المقسم ويجمع المجزأ.
ومن هنا.. ولأن المؤامرة واحدة ومشاهدها واحدة من اندونيسيا إلى العراق، ومن سوريا إلى لبنان ومن فلسطسين إلى أفغانستان، ومن الصومال إلى السودان فإن المواجهة العملية والصحيحة لإحباط مؤامرات التقسيم هي تعزيز التضامن العربي الإسلامي وتعميق التضامن العربي الإفريقي، والأكثر ضرورة السعي لتعميق التكامل العربي ـ العربي في اتجاه الاتحاد العربي كحوائط صد لابديل عنها ضد كل المؤامرات.
كاتب مصري
mamdoh77t@hotmai.com