قمت قبل أسبوعين بزيارة منطقة الأودية العظيمة (Grand Canyons)في ولاية أريزونا، وهي منطقة كانت تسكنها قبائل نافاهو قبل أن يقوم الأوروبيون بغزو تلك البلاد والاستيلاء عليها في القرن السادس عشر. وتعتبر تلك القبائل إحدى أكبر تجمعات سكان أميركا الأصليين، أي الهنود الحمر، الذين استطاعوا الحفاظ على وجودهم فوق الأراضي التي كانوا يعيشون فيها منذ قديم الزمان. وفي الطريق إلى تلك المنطقة مررنا بمدينة سيدونا الواقعة بين سلسلة جبال حمراء تتكون من قمم ونتوءات عجيبة تبدو للناظر كتماثيل ومعابد صممتها يد فنان عبقري.
ولقد بدأت تلك المدينة الصغيرة كمنطقة زراعية، تحولت فيما بعد إلى محطة يؤمها مخرجو الأفلام السينمائية، خاصة أفلام الكاوبوي، وأصبحت اليوم مكاناً للفنانين وهواة الطبيعة والمتقاعدين من الأغنياء الذين يبحثون عن الهدوء ونقاء الهواء وسحر الطبيعة.
في الطريق من مدينة فينكس إلى منطقة الأودية العظيمة، يمر المسافر بمناطق طبيعية مختلفة تتراوح بين منخفض صحراوي يتصف باشتداد الحرارة إلى منطقة جبلية تتساقط عليها الثلوج. وبينما كانت درجة الحرارة 26 درجة مئوية في مدينة فينكس حين تركناها في الصباح، كان الجو في منطقة الأودية بارداً جداً، حيث تساقطت بعض الثلوج أثناء قيامنا ظهراً بالتجول في تلك المنطقة. أما فيما يتعلق بالتضاريس الطبيعية، فهناك الغابات الصحراوية، والصحراء القاحلة، والمناطق الزراعية، والأراضي التي تنمو فيها النباتات الاستوائية.
وبينما تكثر أشجار الزيتون في شوارع العاصمة، تكثر الأشجار الصحراوية والنباتات الاستوائية في أوائل الطريق، تليها الغابات في المناطق الجبلية. ومن الأشياء الغريبة التي شاهدتها وجود الصبار بألوان بنفسجية مختلفة.
وعلى مدى طريق طوله حوالي 400 كلم كان يرتفع تدريجياً شاهدنا اختلافات مناخية وتنوعات طبيعية قد لا يشاهدها المسافر عبر ما يزيد على 5000 كلم من المكسيك إلى كندا مروراً بالولايات المتحدة. ويمكن القول ان الطبيعة أفرزت تغيرات مناخية وحياتية بالنسبة للنبات والحيوان والإنسان متشابهة كثيراً في المناطق ذات المواقع الجغرافية المتشابهة، كما أن التطورات الحضارية وأنماط الإنتاج أفرزت مجتمعات ذات ثقافات متشابهة حيث تشابهت مراحل التطور الحضاري.
ترتفع منطقة الأودية التي يزيد عددها على 15000 وادي وعمرها على 270 مليون سنة، أكثر من 3000 متر على مستوى مدينة فينكس، وتمتد على طول مساحة تتجاوز 440 كلم، ويبلغ عرض الوادي في المعدل 20 كلم. وفي قعر تلك الأودية يجري نهر كولورادو على عمق 1500 متر من قمم الجبال، إلا أنه بالرغم من ذلك يرتفع حوالي 50 متراً عن مستوى سطح البحر. ولمن يرغب في الاطلاع على بعض الصور لتلك الوديان والصبار أن يزور موقعنا الإلكتروني yazour.com.
إن رؤية الأودية العظيمة تجعل المشاهد يشعر بعظمة الطبيعة وروعتها. فهناك تتابع الظلال التي تخلقها حركة الشمس حول القمم والمنخفضات، تعلوها الغيوم المتحركة، وتلونها أشعة الشمس بألوان جميلة تنعكس على الجبال الحمراء وعلى وجه مياه النهر. وبالرغم من غرابة ما يشاهده الإنسان في تلك المنطقة، إلا أن شعوراً جميلاً يغمر المتأمل ويدفعه إلى الإحساس بأنه جزء من تلك الطبيعة ونتاج من عملية خلق تشكلت على مدى ملايين السنين.
في طريق العودة إلى مدينة فينكس، يمر الزائر بمستوطنة تقطنها بقايا قبائل النافاهو. وهناك يلاحظ الزائر عدم وجود تجمعات سكانية بالمعنى المعروف، بل يرى بيوتاً بدائية وسيارات محطمة وقديمة على طول الطريق وفي العمق، وكأن العائلة من تلك القبائل لا تريد عشرة الآخرين ولا يستهويها شيء سوى الوحدة.
وبالرغم من أن الحكومة الفيدرالية قد خصصت ملايين الهكتارات لقبائل النافاهو، إلا أن السكان لا يملكون حق بيعها أو استغلالها كما يشاؤون إلا بموافقة الجهات الرسمية. ويتشكل اقتصاد تلك القبائل من رعي المواشي والصناعات الحرفية، وهي صناعات توارثتها الأجيال عبر آلاف السنين، وتحكي قصة حب النافاهو للطبيعة وجمالياتها، وعشقهم للفن، وتأليهم للشمس.
ومن أجل مساعدة تلك القبائل وغيرها من سكان البلاد الأصليين اقتصادياً، قامت الحكومة الأميركية بالسماح لهم بإقامة نواد للقمار، يستغلون دخلها لتحسين أحوالهم المعيشية. ومما ساعد على انتشار تلك النوادي، وجود قوانين في غالبية الولايات الأميركية تمنع القمار.
واستعداد المستثمرين لإقامة مناطق للترفيه، يتقاسمون ريعها مع السكان، وهذا ساعد على انتشار حالات الإدمان على القمار والخمر بين السكان. لكن الحكومة الفيدرالية وحكومة الولاية أهملت تلك المناطق إهمالاً تاماً، حيث لا توجد هناك بنية تحتية تذكر، ولا مراكز صحية ولا خدمات اجتماعية تليق بحياة الإنسان.
وفي منتصف الطريق داخل المستوطنة، بدأت الطبيعة تتغير، حيث عادت صحراوية كثيرة التعاريج، وعندها وصلنا إلى المنطقة التي قام رواد الفضاء الأميركيين بالتدرب فيها على النزول على سطح القمر. وهنا تذكر المرشد قصة طريفة وقعت لأولئك الرواد أثناء تدريباتهم المعتادة بصحبة مترجم، إذ مر بهم في أحد الأيام رجل كبير في السن، أو ما يسمى «رجل حكيم» كان يرعى مواشيه.
سأل الرجل الحكيم المترجم عما كان يفعله أولئك الأشخاص في ألبستهم الغريبة ومعداتهم الأكثر غرابة. أجابه المترجم بأنهم يتدربون على النزول على القمر، ثم سأل المترجم الرجل عما إذا كان يصدق أن بالإمكان الصعود إلى القمر والنزول على سطحه.
قال الرجل طبعاً... فوجئ المترجم بذلك الجواب، إلا أن الشعور بالمفاجأة زال بسرعة حين أخبره الرجل الحكيم أن إحدى القصص الشعبية المتوارثة في بلاد النافاهو تقول ان بعض رجالهم ذهبوا قبل آلاف السنين لزيارة الشمس، إلا أنهم توقفوا في طريقهم إليها على سطح القمر ولم يعودوا من هناك. ثم طلب الرجل الحكيم من المترجم أن يسأل الرواد عما إذا كان بإمكانه إرسال رسالة إلى أهله على القمر.
وبعد الموافقة على طلبه أحضروا جهاز تسجيل صغيراً، وقام الرجل الحكيم بتسجيل رسالته. وبعد أن سمعها المترجم، سأله الرواد عن محتوى الرسالة... أجاب ان الرسالة تقول باختصار: «سيزوركم أناس يفرضون عليكم التوقيع على اتفاقيات ليس في نيتهم احترامها، ولذلك أحذركم من الثقة بهم».
أكاديمي أميركي من أصل عربي
Professorrabie@yahoo.com