حوالي شهر مر على اختفاء الصحفي البريطاني إيان جونستون في غزة بدون وجود اية معلومات حول مكان اختفائه وهوية الذين ألقوا القبض عليه خاصة في ظل عدم وجود مطالبات مالية أو سياسية للمختطفين في حال كان هناك اختطاف.
لقد أبدت كل الفصائل والقوى السياسية الفلسطينية رفضها لهذا العمل غير المسؤول والذي لا يمكن أبدا أن يخدم حق النضال الفلسطيني ، بل يساهم في تقديم خدمة مجانية لمن يريد تشويه صورة المقاومة الفلسطينية ، هذا طبعا في حال أن كان الاختطاف مرتبطا بمنظمة مقاومة فلسطينية ، إذ أنه من الممكن أن يكون الأمر عبارة عن عملية إجرامية من تنفيذ عصابة تبحث عن فدية مالية لا رسالة سياسية.
ان الإعلام يبقى دائما عينا للحقيقة ، واختطاف أي صحفي والاعتداء عليه لا يمكن أن يكونا مبررا بأية معايير نضالية أو سياسية أو دينية ، وخاصة أن قناة البي بي سي والصحفي جونستون معروفان دائما بوجود مصداقية كبيرة في التغطية الإعلامية للواقع الفلسطيني ، مقارنة بالقنوات الإخبارية الأميركية ، وليس من المنطقي تعريض هذه الأدوات الإعلامية المحترمة للخطر.
بدأت أمس اتصالات دبلوماسية للمرة الأولى بين بريطانيا والحكومة الفلسطينية لتأمين الافراج عن الصحفي ، وقبلها كانت عشرات المسيرات ومئات البيانات والتصريحات قد أدانت العمل وقدمت صورة طيبة وحضارية عن رقي النضال الفلسطيني ، ولكن النهاية الوحيدة يجب أن تكون في اطلاق سراح الصحفي وعودته سالما إلى أهله ، وربما استمرار عمله ناقلا للحقيقة في فلسطين.
حكومة الوحدة الفلسطينية لديها الكثير من الأعباء والمسؤوليات السياسية ، ولكن من أهم أولوياتها انهاء حالة الفلتان الأمني التي اثرت على حياة كل الفلسطينيين في الأشهر الماضية ، نتيجة انتشار السلاح غير المنظم وحل الخلافات بالعنف سواء السياسية منها أو الاجتماعية والاقتصادية ، وقد وصل الأمر إلى اختطاف مجموعة من الصحفيين الأجانب الذين تم اطلاق سراحهم باستثناء جونستون والذي لا يعرف أحد حتى الآن سبب اختفائه.
الدولة الفلسطينية المنشودة يجب أن تبنى ايضا على مجتمع مدني يرفض انتهاج العنف والسلاح وسيلة ، ولهذا من الضروري العمل على فك الحصار الاقتصادي وتشجيع التنمية الاقتصادية والإنسانية في فلسطين والتي من شأنها تخفيف آثار الفوضى الأمنية.
ومن جهة أخرى ، فمن المؤكد ايضا ضرورة القضاء على التنظيمات المسلحة غير السياسية والتي تشكل أدوات تخويف للمواطنين ، إذ أن السلطة يجب أن تكون فقط للحكومة وأجهزتها في نهاية الأمر.
إن الاستمرار في احتجاز جونستون وربما حدوث المزيد من عمليات الاختطاف والاختفاء ، سوف يجعلان بعض المؤسسات الدولية تسحب ممثليها من غزة وتوقف الدعم الإنساني الذي يعتبر حاليا مصدرا جوهريا لإنقاذ الاقتصاد الفلسطيني والأوضاع التنموية والاقتصادية في قطاع غزة ، والذين يرتكبون مثل هذه الأعمال يوجهون في حقيقة الأمر ضربات موجعة لكل جهود التنمية والاستقلال في فلسطين ، مع التأكيد مرة أخرى على أن الاحتمال الأكثر واقعية هو براءة التنظيمات الفلسطينية من حادثة الاختفاء التي تبدو أقرب إلى عملية نفذتها عصابة محترفة.
المطالبة بالافراج عن جونستون هي مطالبة بالحفاظ على حق الإعلام وحرمته في نقل المعلومة ولحماية حياة صحفي شجاع شارك الشعب الفلسطيني الكثير من اللحظات العصيبة في السنوات الثلاث الماضية في غزة ورفض الخروج من القطاع والبحث عن مكان أكثر أمنا ، بسبب قناعته بضرورة استمرار تغطيته المحايدة للوضع الفلسطيني.
ان إيان جونستون هو مثال لصحفي غربي ينبغي احترامه بالمروءة والشهامة العربية المعروفة ، ليكون عونا للشعب المظلوم في نقل حقيقة المظلمة ، ولا يمكن أبدا قبول تعرضه للاختطاف لأي سبب كان ، سواء سياسيا أو ماليا.