جميل أن يعيش كل إنسان تجربته، والأجمل أن يتعلم من كل تجربة شيئا جديدا. لكن الناس يختلفون في هذا الأمر؛ ففي الوقت الذي تمثل إحدى التجارب نقطة انطلاق لشخص ما في اتجاه المستقبل، وموجها لخط سيره نحو الأمام، قد تمثل التجربة ذاتها لشخص آخر محطة انغلاق وانكفاء على الذات، وموجها لخطواته الحياتية المقبلة نحو الوراء.
يختلف الناس في فهم تجاربهم، واستقائهم معاني حياتهم مما مروا به من مواقف ومحطات، وفي طريقة تعاملهم مع هذه المواقف وأسلوب تسييرهم حياتهم بعدها، كل هذا يُحْدِث فرقا جوهريا بين شخص وآخر، حتى إن كانا أخوين، أو صديقين متلازمين، فمن الطبيعي أن يختلفا في الزاوية التي ينظرون بها إلى الموقف ذاته الذي يتعرضان له في وقت واحد، مع اتفاق كبير في الظروف الخارجية المحيطة، لكن اختلافهما الداخلي يظل هو صاحب البصمة الأكثر ثباتا في حياة كل منهما.
يذكر أنتوني روبنز في كتابه (خطوات عظيمة: القليل من التغيير لتحقيق الكثير من الفارق) أن التجارب الشخصية هي أحد المصادر المهمة الدالة على التفرد والتميز. وقد أطلق على الذكريات الواعية وغير الواعية التي نتعرض لها بشكل يومي، وتمثل كل ما يراه الإنسان، أو يسمعه، أو يلمسه، أو يتذوقه، أو يشمه، اسم (التجارب المرجعية).
ويقول إن هذه التجارب تظل مخزونة في المخ، وهي ما نعتمد عليه للتأكد مما نؤمن به، من أصغر شيء يمر بنا، إلى أكبر شيء يتعلق بكينونتنا، ويمثل قدراتنا، وضرب مثالا على ذلك إحدى الندوات التدريبية التي نظمها للكلام على التجارب المرجعية، وطلب فيها من المشاركين تدوين التجارب الخمس التي يؤمنون أنها أكثر الأشياء إسهاما في تشكيل حياتهم.
وقد لفت انتباهه وجود الكثير من التجارب المرجعية المتشابهة بين المشاركين، ولكن طرق تفسيرهم لها كانت مختلفة تماما، من ذلك ما ذكره عن اثنين من الرجال المشاركين فقدا والديهما وهما في سن مبكرة. وقد استخدم أحدهما هذه التجربة كذريعة لينعزل على نفسه عاطفيا أمام العلاقات الودية كافة، في حين أصبح الآخر من أكثر الناس انطلاقا وتأثيرا في الآخرين.
يبدو الموقف ـ نظريا ـ موقفا اعتياديا، يحدث كثيرا، فالكثير من الأطفال يفقدون والديهم وهم صغار السن يوميًا، لكن بالنظر إليه من زاوية طريقة تعامل كل من الرجلين معه يبدو موقفا أكثر تعقيدا. لقد استطاع أحدهم أن يعيد برمجة هذا الموقف في نفسه، أو يعيد برمجة نفسه وفق هذه التجربة، بحيث يبدو له محفزا للبحث عن بدائل تعوضه عن الحنان والحياة الأسرية التي افتقدها، فبذل جهده كي يكوّن له أسرة تعطيه الجزء المفقود في حياته،
فأوجد بذلك لنفسه حيزا في مجتمعه، يأخذ من خلاله حاجته، ويعطي مقابل ما يأخذ كل ما يستطيع تقديمه للآخرين حسب طاقته. لقد نجح في أن يكون فردا في أسرة المجتمع المحيط به، لذلك أصبح عنصرًا فعالا فيه، ومن أكثر الناس انطلاقا وتأثيرا في الآخرين، أما الآخر فقد نظر للحادثة نفسها التي تعرض لها،
وهي فقد والديه في سن مبكرة، من زاوية أخرى، وتولد في نفسه إحساس بقسوة الحياة عليه، وعدم قدرته على الاندماج فيها، أو عدم رغبته في البحث عن بديل آخر يعوضه ما أُخذ منه، فانعزل على نفسه، وعاش وحيدا في مجتمعه، إنه اختلاف في فهم التجربة، واختلاف في زاوية النظر إليها، واختلاف في النتائج التي يخرج بها كل شخص - حين يتعرض لموقف ما- عن النتائج التي يخرج بها الآخرون.
بإمكاننا التفكير في الأمر نفسه على نطاق أوسع. حين يعمل فريق ما في مشروع يمثل تحديًا كبيرًا للفريق، بمسؤوليه وموظفيه وجميع من ينتمي إليه، فإن الوصول إلى نهاية المشروع سيقدم معنى مختلفًا لكل شخص من المشاركين في هذا المشروع؛ فقد تعني نهاية المشروع قمة هرم طموحات شخص في الفريق، في حين تعني عند شخص آخر قاعدة هرم طموحاته. وبين هذين الاحتمالين توجد احتمالات يبلغ عددُها عدد أعضاء الفريق، وربما أكثر!
الشخص الأول الذي مثلت له نهاية المشروع قمة هرم طموحاته سيتوقف عند هذا الإنجاز، وهو مقتنع تماما أنه فعل كل ما يستطيع فعله ـ أو كل ما يجب عليه فعله ـ، فقد وصل إلى نهاية مشروعه، وبنجاح. أما الشخص الثاني الذي مثّلت له نهاية المشروع قاعدة الهرم فسيبدأ ـ بمجرد الانتهاء من هذا المشروع بالمستوى المطلوب من النجاح ـ التفكيرَ في الخطوة اللاحقة، سعيًا نحو الوصول إلى القمة التي ـ ربما ـ لا يستطيع أن يراها بوضوح في ذلك الوقت، نظرا لارتفاعها!
أحدهما ستكون نهاية المشروع بالنسبة لها نهاية حقيقية لكل ما يوجد في داخله من إبداع وابتكار وبحث عن التميز والإتيان بالأفضل دائما، والآخر ستكون نهاية المشروع بداية لحياة جديدة، وانطلاقة سعيدة يغذيها النجاح السابق نحو أفق يتسع كلما سار فيه المرء وحاول الاقتراب منه. إنه اختلاف في فهم معنى التجربة الذي تحدث عنه روبنز بين الأشخاص المختلفين.
من المهم توعية أفراد المجتمع بضرورة السعي لتعميق نظرتهم لتجاربهم الخاصة، والعامة، وللتحديات المحيطة بهم. هذه النظرة ستساعدهم على رفع سقف أحلامهم وطموحاتهم، وستوجههم للتحرك نحو الأمام، بدلا من النظر إلى الخلف بين الحين والآخر.
الاهتمام بجميع التفاصيل ضروري جدًا، لأن كلَّ شيء يمر علينا يُسهم في رسم ملامح شخصيتنا، وتوجيه حياتنا إلى وجهات قد لا ندركها في حينها، ولكننا سنعرفها فقط حين نجد أننا قد وصلنا إليها، وسنبدأ آنذاك بمحاولة فهم الكيفية التي وصلنا بها إلى ذلك المكان في تلك الجهة.. ربما نصل إلى فهم مرض، وربما لا نصل.
إلا أن الاهتمام بالتفاصيل وحده لا يكفي ـ على الرغم من أنه ضروري ـ فالتفاصيل والتجارب ليست وحدها التي تشكل حياتنا، إنما هو المعنى الذي نمنحه لهذه التجارب، وهذا المعنى هو الذي سيقودنا إلى نحت طريقنا نحو التميز والاختلاف عن الملايين المحيطين بنا، لأننا إذا سرنا على الطريق المرسوم سلفا، والمؤدي إلى نهاية معروفة مسبقا، معتمدين على الفهم الموجود أساسا للتجربة نفسها، أو للتفاصيل ذاتها التي مرّ بها الآخرون قبلنا، لن نصل إلى أبعد مما وصل إليه السابقون.
جامعة الإمارات
sunono@yahoo.com