إذا جردنا الموقف الأميركي المتشدد تجاه البرنامج النووي الإيراني من دوافعه السياسية فإن هذا الموقف بالغ العدوانية يصبح بأي معيار منطقي غير مبرر، فماذا يضير الولايات المتحدة أن تكون هناك قدرة تكنولوجية نووية سلمية لإنتاج الطاقة النووية؟

وحتى لو كانت واشنطن على قناعة مسنودة بأدلة معلوماتية بأن إيران سوف توجه برنامجها عند مرحلة ما نحو إنتاج أسلحة نووية، فلماذا تسكت واشنطن عن الترسانة النووية لكل من الهند وباكستان علما بأن إدارة بوش وقعت اتفاقاً العام الماضي مع الحكومة الهندية يسمح لها بالاستفادة من أحدث مبتكرات التكنولوجيا النووية في الولايات المتحدة؟.

القضية إذن سياسية. ولولا أنها كذلك لما عمدت الولايات المتحدة إلى إثارة العالم ضد إيران. واشنطن مدفوعة بمشاعر الخوف على أمن إسرائيل. وبينما لا تملك إدارة بوش أدلة قاطعة بأن الخطط الإيرانية تقوم على برمجة تنتهي إلى تملك طهران أسلحة نووية إلا أن هذا الاحتمال لا يمكن أن يستبعد وبالتالي فإن الولايات المتحدة تتحرك تحوطياً قبل فوات الآوان.

لكن ثمة تساؤلاً: ما هي الخيارات المتاحة للولايات المتحدة لحسم الأمر؟ هذا هو التساؤل الأعظم الذي يقع في قلب الضجة التي ظلت متفاعلة خلال السنوات الثلاث أو الأربع الأخيرة. هناك ثلاثة خيارات: ضغط دبلوماسي، إغراءات وحوافز، أو ضربة عسكرية.

الضغط الدبلوماسي الأميركي على إيران يصنف في هذه الحالة تحت بند «التلويح بالعصا» وقد مارست الولايات المتحدة هذا الضغط عن طريق الوكالة الدولية للطاقة الذرية بتأليب الدول الأعضاء في الوكالة ضد إيران، أما وسيلة الإغراءات والحوافز فهي تندرج تحت بند الجزرة، وقد جربت إدارة بوش هذه الوسيلة عن طريق الدول الأوروبية الحليفة.

الآن يبدو أن المسألة قد وصلت إلى طريق مسدود. فالقيادة الإيرانية رفضت بعناد منهجي وسائل الترهيب والترغيب على حد سواء. ومن أحدث التصريحات الإيرانية التي تعكس هذا الرفض ما ورد على لسان الرئيس أحمدي نجاد بأنه لا عودة إلى الوراء في البرنامج النووي الإيراني مشبها إياه بـ «قطار بدون فرامل».

وقد درجت القيادات الإيرانية على إطلاق مثل هذه التصريحات النارية بما يعكس روح تحد ضد التحرك الأميركي. وفي هذا الصدد يقول وزير الخارجية منوشهر متقي إن إيران مستعدة لأي شيء قد تفعله الولايات المتحدة لوقف برنامجها النووي.

إذن لم يعد متاحاً أمام إدارة بوش سوى الخيار العسكري. وهنا يتسم الموقف الأميركي بغموض يفرز تساؤلات لا توجد إجابات عنها، ويكرر المسؤولون الأميركيون أن «كل الخيارات» على الطاولة بمعنى أن الخيار العسكري غير مستبعد نهائيا.. وفي الوقت نفسه يحرصون على القول إن إدارة بوش ليست لديها خطط لشن هجوم عسكري على إيران. فهل يعني هذا الاستدراك أن الهجوم العسكري قد تقوم به إسرائيل بمساعدة أميركية؟ في كل الأحوال هناك شيء ثابت وهو أن مؤسسة السلطة الأميركية منقسمة على نفسها حيال القضية.