لا يكفي للدولة الناجحة أن يكون لها حكومة وطنية تقدمية، ذلك أن الدولة المعاصرة لها مقوماتها وتدخل من ضمن هذه المقومات الحكومة والشعب والأرض. ورغم وجود هذه العناصر الرئيسية والعناصر الثانوية الأخرى غير أن وجود هذه العناصر لوحدها غير كافية لبناء دولة حديثة متقدمة، حيث من الممكن أن ينتج من وجود هذه العناصر دولة غير أن هذه الدولة قد تكون متأخرة والسبب في ذلك هو الخلل الحاصل في تكوينات العناصر الرئيسية لقيام الدولة. وهذا الخلل إذا لم يتم إصلاحه وتداركه فإن مصير الدولة يبقى مرهون بالتأخر.
إذن هناك عناصر أساسية تدخل في مقومات الدولة والذي نريد التحدث فيه هنا هو العنصر الرئيسي والأساسي في إقامة الدولة ونجاحها وهو الشعب بل مواطنة الشعب، ومن الطبيعي أن نعرف أن التكوينات الإجتماعية لشعب كل دولة تختلف من دولة إلى أخرى.
وعندما تنظر إلى هذه التكوينات تجدها للوهلة الأولى أنك أمام فئات مجتمع متقاطعة العادات والتقاليد مما يجعلها مختلفة ومتخالفة وأيضاً يخيل لك أنك أمام مجتمع متناقض التقاليد والأجناس بل حتى لا تجمعهم لغة واحدة غير أن العنصر الأساسي الآخر وهو الحكومة الوطنية متى ما كان لها من القوة في الفكر والتدبير ومالها من العدالة والمساواة بين تلك الفئات المختلفة في دولتها يجعل من تلك التناقضات في مجتمعها وتحولها إلى قوة هائلة مما تضفي القوة على الدولة بحيث تضعها في مصاف الدول المتقدمة.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو كيف استطاعت حكومة تلك الدولة من تحويل التناقضات في مجتمعها إلى قوة موحده تصب في أساس قوي لتكوين الدولة وإستمرارها مما أصبحت عليه اليوم قوة بشرية وإقتصادية كبيرة ومؤثرة على المستويين المحلي والدولي.
ومن البحث نجد أن الإجابات واضحة ومطروحة على أرض الواقع وأول ما نتلمسه أن حكومات تلك الدول عملت على إقرار مبدأ الحرية واحترامها وان حرية كل فرد تنتهي عند حرية الآخر وأن الإنسان هو الجوهر الحقيقي الذي يجب الاهتمام به والإستثمار فيه من أجل ذلك تعمل حكومات الدول على تطويع كل الظروف لخدمة الإنسان وإيجاد البنية التحتية التي يستطيع معها الإنسان الانطلاق في حياته اليومية وأعماله دون عوائق.
كما يتلمس المتتبع أيضا إقرار مبدأ المساواة في التعامل مع أفراد المجتمع ولا يمكن بفضل هذا المبدأ تفضيل فئة على أخرى ولا حتى شخص على آخر هذا يعطي انطباع لكافة فئات المجتمع أن القانون يطبق على الجميع. وهذه المعطيات بمجملها تجعل من التناقضات في المجتمعات وحدة إجتماعية يهب فيها الجميع متوحدين للمحافظة على هذه الانجازات الاجتماعية.
وهذا ما نطلق عليه روح المواطنة، لذا نجد أن هناك قاعدة جماهيرية كبيرة وذات أساس قوي إستطاعت خلق مجتمع راق وضع له أسلوب قانوني إجتماعي في الحياة، وهذه القاعدة ما كان لها أن تنهض لولا التناصر فيما بينها وجعل مصلحة المجتمع فوق مصلحة الفرد بل فوق مصلحة الطائفة وبالتالي مصلحة دولتهم فوق كل مصلحة وهذا هو أساس المواطنة. ونطلق على هذه الأواصر بين المجتمع ووحدته ولحمته وتفضيل مصلحة الدولة والمجتمع على المصلحة الفردية ومصلحة الطائفة بالمواطنة الصالحة.
وخير مثال على ذلك نأخذ الولايات المتحدة الأميركية، فهذه الدولة تكونت من شعوب قدمت إليها من مختلف أنحاء العالم ومنهم من أوروبا ومن شعوب آسيا وأفريقيا وأميركا الجنوبية وهذه الشعوب المتكونة من أجناس مختلفة ومتناقضة لا تجمعها حتى اللغة فما بالك بالأشياء الأخرى، هؤلاء الناس اكتشفوا أنهم أمام حدث تاريخي .
وأنهم صانعوه من خلال ترك فرض النفس على الآخرين والإقرار بمبدأ حق الغير في العيش والمشاركة في الأرض والحياة، فكان لهم ما أرادوا وتم بناء دولة أصبحت اليوم من أفضل دول العالم اجتماعياً واقتصادياً وتجد أولئك الشعوب الذين كانوا متناقضين أصبحوا الآن متوحدين تجمعهم كلمة الوطن فوق كل شيء.
ومن هذا المفهوم نصل إلى أن الوطن أو الدولة لا تنهض إن لم يكن هناك شعب يتجرد من تبعاته الطائفية ويصب في حب الوطن والمجتمع ويتمتع بامتيازات المواطنة الصالحة وبدون ذلك نجد الدولة مشتته مصيرها التخلف والجهل بسبب تعنصر الناس إلى طائفة لا إلى الوطن رغم أن الوطن يحتويهم ويجعلهم في موضع العز، فلا يتصور أن تكون هناك دويلات داخل الدولة أو حكم طوائف داخل حكم الدولة.
ومن الرجوع إلى مثال الولايات المتحدة الأميركية، نجد أن المواطن الأميركي لا يرفض سياسة حكومته المتخذة ضد دولة كان سابقاً هو أو أحد أجداده من أصولها بل أنه مواطن أميركي وعليه الدفاع عن وطنه وهذه حاله صحية يجب الإقتداء بها والحال نفس الحال ينسحب على الدول التي ترحب بالتجنيس من الدول الأخرى.
فعلى هؤلاء ترك الولاءات القديمة لهم ولآبائهم وأجدادهم وعليهم إعتناق ولاء الوطن الذي يحملون جنسيته ويعيشون على أرضه ويأكلون من خيراته ومنحهم العز، فلا يستوي أن يعيش الفرد في دولة ويحمل جنسيتها ويأكل من خيراتها وينعم بكل ما هو متاح له ويعامل معاملة المواطن بكامل حقوقه ورغم كل ذلك يبقى ولائه إلى ما كان عليه هو أو آباءه أو أجداده فهذه حالة سلبية يجب التوقف عندها والتأمل فيها والتفكير بها ذلك لأنها مسألة تخص الوطن والشعب.
هذه الحالات تصبح من الخطورة بمكان لو تعددت ومن الممكن أن تصبح ظاهرة خطيرة تقصم بظهر الدولة التي ينتمي إليها مثل هؤلاء الأفراد الذين يظنون أن الوطن هو شريعة ماء سبيل يرتشفون منه ما يريدون ويغادروه متى شاءوا، وهذه الحالات يجب معالجتها بطريقتين الأولى تتمثل في دور المجتمع في لفظ مثل هؤلاء عن المواطنة وتنظيف المجتمع منهم والأمر الثاني هو قيام الدولة بدورها بالتثقيف من مثل هذه الحالات مع بتر الحالات المستعصية وبطرق شفافة من أجل المحافظة على مجتمع نظيف فيه المواطنة صالحة وحاسمة للمجتمع والدولة للسير بها نحو التقدم والرقي.
وهذا ما يجعلنا أن نتحدث أن مثل هذه الدولة يجب عليها ابتداءً أن يكون حسن اختيار من يتم تجنيسه مثلما بدأت الدول الأوربية والولايات المتحدة الأميركية من فعله وهو وجود فئات معينة واختبارات وقواعد يجب أن يتجاوزها المتقدم للحصول على الجنسية وصفة المواطنة لكي يتم حمايته ضمن مظلة الدولة وحمايتها له.
ونصل إلى نتيجة نهائية أن المواطنة عمل ذاتي نابع من ضمير الفرد وبه يدافع عن وطنه بشتى الطرق ويبني مجتمعه على أسس صحيحة مما يتولد عنه دولة متقدمة. داعين الله عز وجل أن يديم علينا نعمته ويحفظنا ويحفظ أوطاننا،، اللهم آمين.
كاتب إماراتي
rashid.shabib@binshabib.ae