منذ أن بدأت أتلمس طريقي في مسك الأشياء في طفولتي أخذت استخدم يدي اليسرى مما أدى أيضاً إلى البدء في مسك القلم باليد اليسرى.. فبدأت مسيرتي في الكتابة بهذه اليد وكنت أسمع الأهل والأقارب ومن يتردد على منزلنا بالكويت ويشيرون لوالدي بضرورة تعويدي للكتابة باليمنى أو ربط اليسرى حتى أضطر لاستخدام الأخرى، ولكن بإصرارهم وتفهمهم بأن هذا شيء غير متحكم فيه ويولد الانسان معه فتركوني لطبيعتي وبما حباني الله من نعمة في استخدام اليسرى وبعد التحاقي بالمدرسة بدأت اسمع معلمات الفصل يرددن نفس القصة وبأن من يستخدم هذه اليد يصبح أعسرا أو أشولا ومن أهل اليسار.
وكنت أتساءل ما هذه الألفاظ وما معنى أشول ولماذا التركيز على هذه النقطة دون غيرها وهل هي مشكلة لهذه الدرجة وتجعل الكل يتدخل فيها.. إلى أن بدأت أعي ما هذه المسألة أخذت أبحث وأقرأ عنها ووجدت بأنها نعمة وليست نقمة وبأن أغلب مشاهير العالم من مستخدمي اليد اليسرى.
يرى بعض من العلماء بأن هذا اعتقاد قديم وهو أن شيئاً يولد مع الطفل ولديه قصور عقلي ويواجه صعوبات في الكتابة والقراءة ولعثمة الكلام ثم تؤدي إلى اضطرابات نفسيه في حياته، وصاحب ذلك بان الأسر بدأت تؤمن بهذا الاعتقاد فتجبر أبناءها على استخدام اليمنى حتى لا يبدأ الطفل في التأتأة والفأفأة واكتساب الطباع الشقية والعناد ويطلق عليه الأعسر، كانت الكنيسة تنظر للطفل الأشول على أنه شيطان ويحق للرجل الياباني تطليق زوجته إذا اكتشف أنها تكتب باليد اليسرى.
كنت أرى استهزاءً وسخرية من زميلات الدراسة وبعض المعلمات وبأنني من العسراويين... وأطرف موقف تعرضت له أيام المرحلة الجامعية في السنة الثانية عندما تعرضت لكسر اليد اليسرى ولم استطع الكتابة وكنا على موسم امتحانات فاضطررت للذهاب للدكتور الأديب وليد قصاب أستاذ مساق الأدب العربي فأخبرته بالمشكلة الصحية فرد علي (لا تلعبي علي فالمكسورة اليسرى) وأصر على دخولي الامتحان وفعلاً دخلت وأمسكت القلم باليد اليمنى وأخذت أرتجف وأكتب وبدت الكتابة كأنها نقوش غريبة أو كما نقول بالمحلية (نقش دياي) فأقترب مني وشاهد الورقة وتأكد وأخرجني من الامتحان، أو عندما يراني آخرون في الحياة العامة أكتب أو أوقع أوراقا يقولون أكيد أنتي مميزة أو من العلماء لأن هذا دليل ذكاء.
يقول العلماء بعد البحث وإجراء الدراسات بأن السبب يعود إلى المخ الذي يتحكم بالأعصاب التي تتلقى إشارات منه والكرة المخية اليمنى هي المسيطرة وإن النصف الأيسر للمخ يتحكم بالعمليات النطقية والتحليلية كمهن المهندسين ورجال الأعمال في حين أن النصف الأيمن يتحكم بالعمليات الوجدانية والتعبيرية كالفنون والأدب كالشعراء والأدباء والفنانين وقد نرى الطفل الأعسر أكثر تفوقاً في الخطابة وتعلم اللغات والارتجال في الحديث لهذا اختارت الولايات المتحدة يوم 16 أغسطس منذ عام 1976 يوماً للاحتفال بالأشخاص مستخدمي اليد اليسرى فإذا كنت تكتب بيدك اليسرى ارفع رأسك ولا تخجل ولا يهمك فأنت لك شأن ولست وحدك ولا تعتبر نفسك مظلوماً وسط مستخدمي اليد اليمنى.
فتشير الدراسات إلى أن هناك أربعين مليون أعسر على مستوى العالم، وأكثر من خمسة آلاف من المشاهير منذ القدم وحتى الآن من العلماء والرسامين والرؤساء والكتاب والفنانين والمتميزين والأثرياء واللاعبين كالاسكندر الأكبر ويوليوس قيصر ورمسيس الثاني و تحتمس الثالث وسيدنا عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ والملكة فكتوريا ونابليون بونابرت وزوجته جوزفين والفيلسوف الألماني نيتشه والرسامين ليوناردو دافنشي وروبنز والعلماء مدام كوري واينشتاين والمستشار الألماني بسمارك ومخترع سيارة فورد ورائدي الفضاء نيل ارمسترونج والدرين والأمير تشارلز وابنه ويليام وجان دارك واللاعب بيليه والملياردير بيل غيتس والرئيس الكوبي فيدل كاسترو ومن رؤساء الولايات المتحده الأميركية بوش الأب ـ ريجان ـ فورد ـ جارفيلد ـ ترومان ـ هوفر ـ كلينتون ـ والأديبة جرمين جرير والفنانين مكارتني ومارلين مونرو وتوم كروز وزوجته السابقة نيكول كيدمان ومعالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي بالإمارات
وأقولها بكل فخر بأنني من مستخدمي اليد اليسرى وعمري ماخجلت من الكتابة بها بالرغم من تعرضي للعديد من المواقف و أنا على ثقة بأنني وسط طابور طويل من المميزين والعظماء والملوك والرؤساء وإن لم أكن منهم ولكن بينهم.