يبدو أن المجتمع المدني في دول الخليج العربي على دراية كافية بأخطار الصراع القبلي والطائفي، وهو يتوجس خيفة من استفحال شر استخدام الهويات الموروثة لتقويض الولاء للدولة الحديثة التي ترتكز أساساً على المواطنة بما تحمل من معاني المساواة وتكافؤ الفرص.

ولعل مصدر ذاك التخوف إنما يأتي من تلك التطورات التي تعصف بالمنطقة والتي تؤثر سلباً على حالة الوئام الطائفي التي عاشته المنطقة، من ناحية، ومن ناحية أخرى تلك التطورات المجتمعية الداخلية في أقطار الخليج العربي التي أدت إلى بروز القبلية كقوة للاستقطاب السياسي تقف في تعارض مع بناء الهوية الوطنية الواحدة.

ولهذا الغرض فقد خصص الملتقى الثامن لجمعيات وروابط الاجتماعيين بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، الذي انعقد بدولة الكويت بين الثالث إلى الخامس من هذا الشهر ( فبراير 2007 ) موضوع بحثه لينصب هذه المرة على «الوحدة الوطنية».

وهذا الملتقى يعقد كل سنتين، وقد تناوبت على استضافته كل من جمعية الاجتماعيين بدولة الإمارات العربية الشقيقة ونظيرتها في مملكة البحرين الشقيقة ورابطة الاجتماعيين بدولة الكويت. ومن حسن حظ الملتقى هذه السنة أن حضر وفد من المملكة العربية السعودية ليمثل جمعيتها الناشئة حديثاً.

ووفد آخر من دولة قطر الشقيقة ليكون نواة لجمعية يجري العمل على وضع أركانها، في حين اعتذر الأشقاء في عمان عن المشاركة رغم انتظام عقد العاملين في الحقل الاجتماعي لديهم بجمعية فتية نتمنى لها التوفيق ونتطلع لأن يكون أعضاؤها حاضرين في الملتقيات الأخرى.

ولم يرم المشاركون بسهام النقد إلى القبيلة والطائفة، ذلك أن المجتمعين كانوا على دراية تامة بأن تلك المؤسستين هما من مؤسسات المجتمع التي ينتمي إليها الفرد والتي تعطيه هوية اجتماعية فرعية متميزة ضمن إطار مجتمعي أكبر، بل كان جل حربهم هو على استغلال هاتين الهويتين في تفتيت وحدة المجتمع الوطنية التي تسعى إلى بنائها مجتمعات الخليج العربي في هذه المرحلة الصعبة بتطوراتها السياسية العاصفة، فضلاً عن سعيها نحو تعزيز الهوية الوطنية في ظل العولمة وما تفرضه من توجهات عالمية تقوض الخصوصيات الثقافية ومنها الهويات الوطنية للمجتمعات المختلفة كمجتمعات الخليج العربي.

وقد جاءت توصيات الملتقى لتصب في هذا المنحى إذ أكدت على وجوب «تعزيز العدالة وتكافؤ الفرص والمساواة بين المواطنين وسيادة القانون، وغرس القيم الإسلامية القائمة على الإخاء والتسامح والتعاون» وهو ما «يتطلب ترسيخ مفهوم المواطنة بما تشترطه من حقوق وواجبات.. على أن تتكاتف السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية ومؤسسات المجتمع المدني..

وغيرها في تحقيق هذه الغاية». ثم - وهذه توصية أخرى مهمة - «ضرورة العمل على ترسيخ القناعات بأن الانتماء للوطن والاعتزاز بالهوية الوطنية يسبق كل انتماء واعتزاز، وإنه لا يتعارض مع الانتماءات الفرعية الأخرى، في سياق ثقافة مجتمعية تقبل بالآخر بما يدعم الوحدة الوطنية».

وقد عالجت الأوراق المقدمة في الملتقى الظاهرة القبلية والطائفية تشريحاً وتحليلاً وطرحاً للبديل، فقد ذهب الدكتور يعقوب الكندري، وهو عميد كلية العلوم الاجتماعية بجامعة الكويت إلى أن المفاهيم القبلية والطائفية هي في تعارض شديد مع مفاهيم التنمية، إذ تعتمد الأولى على مفهوم القرابة والولاء.

في مقابل اعتماد الأخيرة على الانجاز وتكافؤ الفرص. وبناء الوحدة الوطنية لا يتم إلا بعملية اندماج كل الجماعات الاجتماعية القبلية والطائفية في بوتقة المجتمع الكبير، يعزز ذلك تحقيق العدالة الاجتماعية عن طريق المساواة ونبذ المحسوبية والواسطة.

ولا حظ الدكتور عبد الرزاق الزهراني،وهو رئيس الجمعية الاجتماعية السعودية والأستاذ بجامعة الإمام أن «دور القبيلة قد ظهر بجلاء في عملية انتخابات المجالس البلدية، فأفراد القبيلة حرصوا أن يرصوا صفوفهم ويعطوا أصواتهم للمرشح الذي ينتمي للقبيلة». يحدث هذا في الوقت الذي أضحى فيه المجتمع السعودي مجتمعاً حضرياً، إذ يعيش 20% من أفراده حالياً في الرياض، ناهيك عن المدن الأخرى الأقل سكاناً.

ومن أطرف ما ذكره الزهراني في بحثه المعنون بعنوان ملفت وهو: «ماذا بقي من القبيلة في زمن العولمة؟» إن أبناء القبائل أصبحوا ينشئون مواقع لقبيلتهم على الانترنت. «وتركز تلك المواقع على إحياء تراث القبيلة وتاريخها ونسبها، ومحاولة معرفة أعيانها ورموزها عبر التاريخ، حتى أصبح هذا المجال من مجالات التنافس بين القبائل.

يضاف إلى ذلك - كما يواصل الزهراني بالقول - ما يمكن ملاحظته من اهتمام بإصدار الكتب التي تتحدث عن تاريخ القبيلة ونسبها وأعيانها»،بيد أن تلك المنافسة قد لا تكون محمودة وتثير نعرات ولى زمانها، لذلك يخبرنا الزهراني أن الجهات الرسمية قد عمدت «إلى تمحيص تلك الكتب قبل السماح بطباعتها وإصدارها حتى لا تسيء إلى القبائل الأخرى، أو تكون مصدراً من مصادر الفتنة والتناحر والإثارة».

وتطرق الملتقى إلى الوحدة الوطنية وسبل تكوينها، فأشارت الدكتورة لطيفة الكندري، مديرة المركز الإقليمي للطفولة والأمومة بالكويت في بحث لها بعنوان: «نحو بناء هوية وطنية للناشئة» إلى مفهوم المواطنة، وهي هنا في هذا السياق لا تعني حمل جنسية دولة فقط، بل تعني فاعلية الفرد في المجتمع، فتأتي الدكتورة بأحد التعريفات الذي يؤكد أن المواطنة إنما هي «صفة الفرد الذي يعرف حقوقه وواجباته تجاه المجتمع الذي يعيش فيه، ويشارك بفعالية في اتخاذ القرارات وحل المشكلات التي تواجه المجتمع».

وتلتقي الدكتورة سهام الفريح، رئيسة الجمعية الكويتية لحماية الطفل في دولة الكويت، مع زميلتها الدكتورة لطيفة الكندري في الرأي حول أهمية المدرسة في بناء الهوية الوطنية من خلال مناهجها التربوية التي تشحن وجدان الناشئة بحب الوطن والتعلق بتراب أرضه. وتلك العملية لا تتم من خلال الكتب فقط، بل عبر النشاطات اللاصفية ( أي خارج الصف الدراسي ) من قبيل زيارة المتاحف والاهتمام بالبيئة وغيرها من النشاطات المجتمعية.

وكاتب هذه السطور كانت له مساهمة متواضعة في هذا الملتقى بموضوع أثير على قلبه ومرتبط بالمحور الأساسي له، وهذا الموضوع هو التطورات الجديدة في مجال الجنسية والمواطنة بدول مجلس التعاون، إذ يعتقد الباحث أن حل بعض مشكلات الجنسية كالبدون مثلاً وإدماجهم بالمجتمع سيعزز الوحدة الوطنية وسيجنب مجتمعات الخليج العربي الآثار السلبية لبقاء هؤلاء على وضعهم الحالي.

أخيراً نقول إن التقاء أبناء الخليج العربي المنخرطين في مؤسسات المجتمع المدني وطرحهم للمشكلات والتحديات التي تواجه منطقتهم في هذا المنعطف الخطير لهو ركن أساسي من أركان مواجهة تلك التحديات وحل صعابها.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com