أيّدت محكمة استئناف عربية حكماً أصدرته محكمة الدرجة الأولى قبل 3 أشهر بالتفريق بين زوجين، وذلك لعدم كفاءة النسب بينهما، وترجع ملابسات الدعوى إلى أن إخوة الزوجة (غير الأشقاء) رفعوا دعوى أمام القضاء تطالب بفسخ عقد زواج أختهم من زوجها، لعدم كفاءة النسب، حيث ان الزوج لا ينتمي إلى قبيلة متكافئة لقبيلة الزوجة.
وانه ليس عريقاً في النسب بما يكفي ليتزوج أختهم، وبعد مداولات أصدرت المحكمة (أول درجة) حكمها بفسخ العقد على اعتبار أن الكفاءة النسبية شرط معتبر وأن هناك عرفاً قائماً في تلك الدولة بأن غير القبيليين لا يتزوجون من القبيليات، وأيدوا الحكم بمجموعة من المقولات لفقهاء الحنابلة.
الزوجة تمسكت بزوجها، وبخاصة أنها رزقت منه بطفلين، ورفضت أن تتخلى عنه، وفرّت مع زوجها من بيتهما، ولكن الشرطة ألقت القبض عليهما، وخرج الزوج بكفالة، بينما رفضت الزوجة الخروج من السجن وفضّلت البقاء في السجن على الذهاب مع أفراد أسرتها الذين جاؤوا لاستلامها.
نحن ـ بطبيعة الحال ـ نحترم أحكام القضاء، ولا نشك لحظة في أنهم يهدفون ـ مخلصين ـ إلى تطبيق النص التشريعي الذي هم ملتزمون به، سواء كان نصاً قانونياً أو فقهياً مذهبياً. ولكن من حقنا أن نناقش الأساس الذي قام عليه الحكم ـ قانوناً أو فقهاً ـ لأننا نعتقد أن الشريعة العادلة أبعد أن تقر تشريد أسرة وأطفال مهما كانت المبررات الفقهية، نؤكد أنه لا تثريب على القاضي إذ طبق صحيح القانون أو المذهب، لأن المشكل الحقيقي هو النص الذي يعقّد بالكفاءة النسبية شرطاً في صحة الزواج ولزومه. وهذا يدعونا لطرح التساؤلات الآتية:
هل الكفاءة النسبية شرط على اتفاق بين الفقهاء؟ وما الذي جعل هؤلاء الفقهاء يشترطونه مع أن الإسلام دين المساواة؟ وما ذنب الزوج حين تقدم لذوي المرأة (إذ لم يطلبوا منه شهادة بعراقة النسب، بل طلب والدها شهادة من إمام المسجد بالمواظبة على الصلاة وحسن الخُلُق)، حتى يُحرم من زوجته وأولاده؟ وهل كتب على هذا الزوج المسكين الفراق إلى الأبد عن أسرته؟ وألا يوجد حلّ من قبل السلطات العليا لهذه المأساة الإنسانية؟ وألا تسيء هذه الحادثة إلى صورة الإسلام والمسلمين في وقت نسعى جاهدين لتصحيحها؟
يقول الكاتب محمد صادق دياب «إنني حضرت الكثير من عقود النكاح، لكنني لا أتذكر مأذوناً واحداً أثار هذه المسألة بسؤال العريس عن نسبه قبل إتمام العقد، وكان حرياً به أن يفعل طالما أن هذه المسألة لها هذه الدرجة من الاعتبار، ويمكن أن تهدد حياة العروسين الأسرية في أية لحظة مستقبلية».
بالنسبة للكفاءة في النسب كشرط في الزواج ـ صحة أو لزوماً ـ لا يوجد نص لا من القرآن أو السنة باشتراطه بل النصوص كلها ضد اشتراطه باعتبار أنه لا تفاضل بين الناس إلا بالتقوى والعمل الصالح وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أكدّ عملياً، فقد زوّج زينب بنت جحش من مولاه زيد. وزوّج (المقداد) ضباعة بنت الزبير، وزوّج (سالم) مولى أبي حذيفة من هند بنت الوليد، وتزوج (بلال) الحبشي بأخت عبدالرحمن بن عوف.
وقال «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجه ـ ثلاث مرات ـ وقال الشوكاني في نيل الأوطار (إنه لم يثبت في اعتبار الكفاءة حديث).
لكن جمهور الفقهاء ـ عدا الإمام مالك وابن تيمية والكرخي والزيدية والإمامية ـ ذهبوا إلى اشتراط الكفاءة بالنسب اعتماداً على قول عمر رضي الله عنه (لأمنعن ذوات الأحساب إلا من الأكفاء)، وعلى هذا فغير العرب ليس كفئاً للعربية، كما أن (القرشي) كفء لكل عربية ولو كانت هاشمية، ولكن ليس كل عربي كُفئاً للقرشية، ترى ما الذي جعل جمهور الفقهاء يعتقدون بالنسب كشرط في الزواج مع مخالفته للنصوص الصريحة؟
الحقيقة أن القضية ابنة مجتمعها وعصرها والاجتهاد الفقهي مرآة صادقة للواقع المعيش، ونحن نعلم أن المجتمع الإسلامي بعد القرن الهجري الأول وامتداد الفتوحات ودخول الثقافات الوافدة وتناقض قوة الدفع الممتد منذ عصر النبوة والخلافة الراشدة، انقلب المجتمع إلى طبقات (الأشراف من قريش ثم بقية العرب فالموالي.. الخ).
وبرزت النزعات القبلية التعصبية بفعل الموروثات الثقافية السابقة على الإسلام، لأن الثقافات مهما تكن متخلفة، فإنها لا تموت بسيادة ثقافة جديدة وإنما تظل حية فاعلة في الأعماق البعيدة، ورجع العرب إلى التفاخر بالأنساب والتباهي بالأحساب، ومن الطبيعي أن يتأثر الفقهاء بتلك الأعراف الاجتماعية، فالفقيه كما يقول (جمال البنا) مهما بلغ علمه وتقواه، فهو في النهاية (معبّر عن روح عصره، لا أحد يستطيع أن يتحرر من عصره) وهذا ـ أيضاً ـ ينطبق على موقف الفقهاء من حقوق المرأة (زواجها، تعليمها، عملها، نقابها، ختانها، قيادتها للسيارة، توليها مناصب قيادية).
وإذ نؤكد احترامنا وإجلالنا لاجتهادات فقهائنا ـ رحمهم الله ـ ونعتقد أنهم كانوا معبرين صادقين مخلصين عن واقع مجتمعاتهم وروح عصرهم، نقول انه يجب علينا نحن ـ أيضاً ـ أن نكون معبّرين صادقين عن مجتمعاتنا وعصرنا في إطار الثوابت الشرعية، ومن الخطأ تعميم الاجتهادات الفقهية لتتجاوز عصرها إلى عصرنا، نطلب عونها في حل مشكلاتنا وقضايانا، ولذلك نقول لا عبرة بكفاءة النسب في الزواج في مجتمعاتنا المعاصرة، لأنها تخالف شريعتنا وتنبذها روح عصرنا وتناقض دساتيرنا التي قررت المساواة في المواطنة والحقوق العامة، وقيمة الإنسان الآن في عمله وبما يتحلى من دين وخلق وبما يقدمه لمجتمعه، فالمسلم كفء للمسلمة من دون اعتبار للنسب الذي تجاوز الزمن. والكفاءة الحقة في الدين والخلق.
وإذا نحترم الاجتهاد القائم على عُرف اجتماعي صحيح متوافق مع الشريعة والعصر، فإننا نرى تجاوز الاجتهاد المبني على عُرف تجاوزه العصر وهو مخالف لروح الشريعة، التقاليد الأصيلة، نتمسك بها ولكن التقاليد المناقضة للتعاليم الإسلامية يجب نبذها حتى تنصر الإسلام حقاً. الآن لا حلّ أمام هذه الأسرة المنكوبة إلا اللجوء إلى السلطات العليا التي قد تمدّ يداً حانية فتنقذها من التشرّد وهي بذلك تنتصر للإسلام حقاً. وتنتصر للمبادئ السامية وتسمو بها فوق التقاليد المجتمعية الحاكمة.
وقد يكون التمسك بشرط النسب مبرراً في بدء الزواج لا بعد أن استقر وأثمر وكوّن بيتاً.. إن هدم البيوت بذريعة النسب، عُرف لا يقره شرع الله.
كاتب قطري