يتوجب علينا، باعتبارنا مواطنين لبنانيين أفنى عليهم الدهر وصروف الأيام ويقظة الحكام فأُفقِروا حتى الإملاق، وأغرقوا في الديون حتى الأعناق، أن نتوجه بالشكر العميم والتقدير الحميم لكل من أكرمنا فاستقبل رئيس حكومتنا البتراء، الملوك والرؤساء والسلطان والأمراء، فوعدوه بالمساعدة على إعانتنا ببعض من فائض خيرهم وتفضلهم بقبول الدعوة الفرنسية إلى مؤتمر باريس ـ 3 لإنقاذ لبنان.
ولسوف نغض الطرف، لأسباب تتعلق بالظرف، عن واقع أن هذا التجاوب قد تمّ تلبية لرغبة أميركية معلنة أكثر منه تعبيراً عن نخوة عربية صادقة هدفها إغاثة الشقيق الملهوف.
لكننا سنتوقف أمام بعض التفاصيل التي تكمن فيها الشياطين، ومنها:
ـ أن كل هؤلاء القادة المحترمين قد استقبلوا بالترحاب رئيس حكومتنا البتراء من دون أن يسألوه: لماذا لا تكون كاملة، أي «طبيعية»، وممثلة لكل القوى والاتجاهات والتيارات السياسية؟!
ـ وأن كل هؤلاء القادة الميامين لم يسألوا رئيس حكومتنا عن مصير المبادرة العربية التي علّق عليها اللبنانيون الآمال العراض وتفاءلوا بأن إخوانهم العرب قد هبّوا ـ بشخص الأمين العام لجامعة الدول العربية ـ لنجدتهم واستنقاذهم من براثن الفتنة، التي كانت «نائمة» فوجدت من أيقظها وأطلقها فإذا هي «حية تسعى» بينهم وتبث سمومها فتفسد المناخ الوطني الجامع الذي تحقق في مواجهة الحرب الإسرائيلية على لبنان، وصمود مقاوميه الأبطال وشعبه جميعاً برغم كل المحاولات الخبيثة للتفرقة..
ـ وأن كل هؤلاء الإخوة الأغنياء بالنفط والغاز ومشتقاتهما وبالاستثمارات الهائلة في الداخل والخارج، لم يسألوا رئيس حكومتنا كيف تذهب إلى مؤتمر دولي لدعم لبنان بينما خلافاتكم المتفاقمة في الداخل تهدد ما تبقى من لبنان؟
وإذا كان الداخل معطوباً ومتشققاً وعلى شفا الاقتتال فماذا سينفعكم الخارج... (هذا إذا ما تقصّد السادة الإخوة أن يتجاهلوا من هو هذا الخارج، وما هي أغراضه، بل ما هي مسؤوليته عن تشقق الداخل ودفع أطرافه نحو... هاوية الاقتتال؟!).
ومع التقدير والشكر لهذه النجدة العربية للمبادرة الفرنسية بعقد مؤتمر باريس ـ 3 لاستنقاذ لبنان، بالطلب الأميركي المباشر، فلقد كنا نتمنى لو أن القادة العرب بذلوا مثل هذا الجهد، أو أقل، لاستنقاذ المبادرة العربية، بما يجعل الحكومة «حكومة لبنان جميعاً» لا بعضه، وحكومة وحدة وطنية فعلاً بدل أن تكون «حكومة بتراء» تحتاج من يسندها لتمشي، وتحتاج «الشرعية» لتكون قراراتها نافذة، باعتبارها صادرة عن «توافق» أو ما يقارب الإجماع الوطني.
كنا نتمنى من القادة العرب أن يحفظوا لبنان، فلا يتخلوا عنه كما تخلوا عن العراق في محنته للاحتلال الأميركي ثم انتبهوا بعد فوات الأوان إلى أن الاحتلال إنما هو الوريث الشرعي للطغيان وهو الوالد الشرعي للفتنة التي تعصف رياحها السموم بالمشرق العربي جميعاً.
والذين كادوا يعاقبون لبنان على مقاومته «المغامرة» قبل أن يتنبّهوا إلى أن هذه المقاومة جاءتهم بالشرف العظيم، من دون أن يتحملوا أعباءها السياسية والمادية... إلا قليلاً..
إننا نقدّر للأمير سعود الفيصل تمايزه عن وزيرة الخارجية الأميركية التي حاولت أن تضع الكلمات في فمه، وإصراره على التشديد على «ضرورة مساعدة لبنان لأهداف كثيرة بينها أن هذا البلد يمثل نموذجاً لتعايش الأطياف والفئات المختلفة، فالحفاظ على استقرار لبنان له مردود على المنطقة والعالم لأنه يمثل التعايش السلمي»..
ولكننا كنا نتمنى لو أن حديثه عن «مساعدة الشرعية للقيام بالواجب من أجل استقرار المنطقة» قد اقترن بما يتجاوز النصح «فالقرار النهائي يكون للبنانيين» بقدر ما يعزز العرب سعيهم إلى وحدتهم وتوطيدها..
كذلك كنا نتمنى لو تجاوز الأمير سعود التمني «بأن لا يكون لبنان ساحة لصراعات تتعلق بقضايا خارجية.. إذ تكفيه مشاكله الداخلية»، خصوصاً أن ضيفته السمراء وزيرة الخارجية الأميركية حرّكت أمامه وبوجوده بعض هذه الصراعات، وتفضلت بتقسيم اللبنانيين إلى «متطرفين» مرتبطين بسوريا، وإلى «آخرين» هم «أصدقاؤها» الذين تراهم «مستقلين» و«ديموقراطيين»...
ومع أننا لم نسمع من القادة العرب الذين رحبوا ـ مشكورين ـ برئيس الحكومة ما يؤكد أنهم نصحوه بألا يذهب إلى باريس بحكومة بتراء ومطعون بشرعيتها، فإننا نتمنى أن يكونوا قد فعلوا ذلك في خلواتهم فألحوا عليه بإنجاح المبادرة العربية لتدعيم الوحدة الوطنية وإفشال محاولات بث الفتنة وإخراج نفسه والأطراف الأخرى من المأزق الذي صاروا جميعاً رهائنه... وبالتالي فالكل بحاجة لمن يمد إليه يد الإنقاذ.
وليست تلك اليد البيضاء في باريس، بالتأكيد، ولا سوف تجيء من واشنطن..
السؤال: هل يسمع العرب، بعد، لمن يحدثهم باللغة العربية... الفصحى؟!
طلال سلمان