لفت انتباهي سؤال طرح في الفضائيات في الأيام الأخيرة يقول صاحبه: أليست أسوأ ديمقراطية هي أفضل من أية ديكتاتورية؟
سؤال في الحقيقة يثير جدلاً كبيراً في أيامنا هذه التي أصبحت فيها الديمقراطية أشبه بثورة عارمة تجتاح العالم وتثير الرعب ليس فقط لدى الأنظمة الحاكمة بل حتى لدى الشعوب نفسها التي تشاهد ما جلبته هذه الثورة الديمقراطية للآخرين، لقد وضع البعض الديمقراطية فوق كل شيء كأنها في حد ذاتها هدفا يجب أن تناضل من أجله الشعوب وترهق من أجله دماء الآلاف وتدمر البلاد وتجزأ الأوطان وتتناحر من أجلها الجماعات.
الحديث عن كل من الديكتاتورية والديمقراطية يطول ويتشعب ولا يتسع له المجال، لكننا نود أن نقول بداية أنه ليس صحيحا بالمرة أن الديكتاتورية شيء سيء لدرجة أن يقال إن أسوأ ديمقراطية هي أفضل منه، ويجب أن نفرق جيدا بين الديكتاتورية بمفهومها الفلسفي والعلمي التاريخي كشكل من أشكال الحكم وبين مفهوم الديكتاتورية الذي شاع في زمن الحرب الباردة في القرن الماضي وكان يستخدم كأداة من أدوات هذه الحرب.
تاريخ البشرية لو قسناه نسبياً نجد أنه عاش في ظل الديكتاتوريات القوية والشمولية وحتى القامعة أكثر بكثير مما عاش في ظل الديمقراطيات بأشكالها المتعددة مثل الشورى والأنظمة النيابية و البرجوازية الأرستقراطية وغيرها من الأنظمة التي كانت تتمتع ولو بقليل من الديمقراطية التي كانت متاحة لفئة أو لطبقة معينة دون باقي الشعب، ورغم هذا لم نسمع في التاريخ الطويل للبشرية شعار الديمقراطية يرفع مثلما يرفع الآن في السنوات العشر الأخيرة.
الديكتاتورية بمعناها العلمي والفلسفي التاريخي ليست محصورة كما يصورها البعض في القمع والاستبداد وإرهاب السلطة والحاكم، الديكتاتورية حقا ليست حكم الشعب لكنها لم تكن دائما ضد إرادة الشعوب، بل أن معظم حكام الأنظمة الديكتاتورية على مر التاريخ مازالوا تخلدهم شعوبهم وتمجدهم وتذكرهم بالخير على إنجازاتهم العظيمة التي مازال العديد من الشعوب تنعم بخيراتها.
ويمكن القول بلا مبالغة إن أكثر من تسعين في المئة من إنجازات الحضارة البشرية حتى الآن تمت في ظل حكم أنظمة يمكن وصفها بالديكتاتورية أو الشمولية، بل أن نظام العقد الاجتماعي الذي مازال هو أساس العلاقة بين الشعب والدولة ككيان سياسي نما وتأكد في ظل أنظمة غير ديمقراطية.
الديكتاتورية في معناها العلمي هي حكم النخبة، سواء كانت هذه النخبة حاكم فرد مع حاشيته أو فئة طبقية معينة كالأرستقراط أو قادة المحاربين أو كبار الأغنياء أو حكم جماعة سياسية أو اجتماعية أو دينية متميزة في المجتمع وتحظى بالاحترام والتبجيل من عامة الشعب.
ولكن ابتعاد بعض نماذج الحكم الديكتاتوري عن شعوبها وإهمالها لمصالح أوطانها واستخدامها السيئ لسلطاتها هو الذي شوه مفهوم الديكتاتورية وأساء لسمعتها حتى الآن رغم أنها حالات ليست كثيرة في التاريخ الطويل للبشرية، بدليل أننا نعرفها كلها تقريبا الآن ونقرأ عنها في كتب التاريخ ونستطيع حصرها في تاريخ كل دولة وكل أمة على حدة، وحتى بعض هذه الأمثلة الشهيرة للديكتاتوريات المستبدة القمعية لعبت السياسة والصراعات الدولية وأحيانا الاثنية والعقائدية دورا كبيرا في تضخيمها وتشويهها.
ولو أخذنا مثالا على ذلك ستالين في الاتحاد السوفييتي الذي يعد من أشهر ديكتاتوري العصر نجد أنه الوحيد من الحكام السوفييت الذي مازالت ترفع صوره في المظاهرات وتعلق على جدران المنازل، ويذكره الروس بأنه باني أسس مجد الدولة السوفييتية العظمى، وحتى ديكتاتور العصر الحديث هتلر لا يزال الألمان ينسبون له نهضة ألمانيا الصناعية الحديثة في عصره وتنشأ الأحزاب في مختلف دول العالم على نهجه ومبادئه.
ولا شك أن هناك ديكتاتورية مستبدة وفاسدة وقمعية ومضيعة للشعوب، ولكن أيضا هناك الكثير من الديمقراطيات أسوأ منها في العنصرية والتضليل ونهب ثروات شعوبها وشعوب الدول الأخرى وفي نشر الدمار والقتل والخراب والفقر والمرض في مختلف أرجاء الأرض.
لو عدنا للمفاهيم العلمية للديكتاتورية والديمقراطية بعيدا عن التطبيقات الحديثة التي تختلط فيها الشعارات الجوفاء وصراعات المصالح الدولية، فكما قلنا إن الديكتاتورية هي حكم النخبة سواء كانت فردا أو جماعة، فإن الديمقراطية هي حكم العامة أو «العوام» كما يقول بعض الفلاسفة، وحتى الفلسفة اليونانية القديمة وضعت لها معنى أسوأ فقالت إنها «حكم الغوغاء»، ولا يتسع المجال هنا للحديث عن الديمقراطية ولهذا نرجئها لوقت آخر.
elmoghazy@hotmail.com