يستنكف البعض وتنتابهم حساسية مفرطة حين يجري الحديث بالمدح أو ما يشبه المدح للقادة السياسيين، وخاصة في العالم الثالث وفي عالمنا العربي بشكل اخص، حيث تعوّد الجميع في معظم هذه البلدان على إعلام حكومي وكتابات مأجورة أو موجهة، لا هم لها سوى التطبيل والتزمير للرؤساء واصطناع الألقاب الرنانة لوصفهم ونعتهم إلى حد يشبه التأليه أحيانا!

لكننا هنا لسنا في وارد المدح ولا حتى الإطراء الكاذب أو المزيف، وإنما نحن أمام حقائق مشهودة وواقع يشاهده الجميع ويشهد له العالم بالتميز والفرادة، إقليميا وعلى مستوى الكثير من التجارب العالمية المختلفة. فالنقلة النوعية التي حققتها دولة الإمارات عبر مسيرتها الاتحادية في مختلف المجالات التنموية والاقتصادية والعمرانية،

وخلال فترة زمنية لا تتجاوز عمر جيل واحد بينما عجزت عن مثلها دول عديدة وكبيرة أخرى على مدى أجيال متعاقبة، هذه النقلة ليست من نسج الخيال ولا هي ماض غابر يصعب التحقق منه ومشاهدته حيا على ارض الواقع. والحديث يطول عن تجربة الإمارات المتصلة والمتصاعدة باستمرار،

على مدى أزيد من ثلاثة عقود من الزمن، لذلك نقتصر هنا على ملامح سنة واحدة من هذه التجربة الثرية، وليس على كل ما أنجز أو وضع قيد الانجاز خلال عام واحد، مما لا تتسع له هذه المساحة الضيقة والحيز المتاح.

فمنذ تولي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الحكم في دبي بداية العام الماضي ثم اختياره نائبا لرئيس الدولة ورئيسا لمجلس الوزراء، تحولت دبي كلها إلى ورشة عمل دائمة ودائبة، واخذ العمل الحكومي الاتحادي منحى جديدا في سرعة الحركة ومتابعة الانجاز بوتيرة مختلفة،

وأعطيت الوزارات ما تحتاجه من الصلاحيات واللا مركزية الإدارية لتنفيذ مهامها وتسريع المشاريع المنوطة بها. ولأول مرة في تاريخ الدولة بدأ العمل بالميزانية الاتحادية مع بداية العام الجديد، ما يتيح للوزارات والهيئات الاتحادية استكمال مشاريعها السابقة والمباشرة الفورية في تنفيذ خططها الجديدة.

وتميزت السنة المنصرمة بالجولات التفقدية والزيارات الميدانية التي قام بها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، وشملت إمارات الدولة ومناطقها المختلفة للوقوف على أحوالها الراهنة والتعرف على احتياجاتها الآنية والمستقبلية، وإعطاء التوجيهات اللازمة لتوفير هذه الاحتياجات وسد أي نقص أو عجز تعانيه.

وهو ما جعل الكل، محليا واتحاديا، يشعرون بمزيد من المسؤولية وبالاهتمام والتشجيع الذي يلقونه من أعلى المستويات القيادية في الدولة، إلى جانب المتابعة والمحاسبة على أي تقصير أو تهاون في الأداء ومستوى الإنتاج. ومن هنا نفهم لماذا أعلنت دبي جوائز متنوعة للانجاز والتميز، لينال كل حقه على ما أنجز أو أبدع وفيم تميز، ويتحمل غيره مسؤولية عجزه أو تقصيره.

كل ذلك لم يتحقق عشوائيا أو اعتباطا، وإنما بدراسة متأنية وتخطيط مسبق يستجيب لمتطلبات كل مرحلة ويعالج أي خلل، مع القدرة على مواجهة التحولات والتغيرات الطارئة التي قد تؤثر على سير العمل وتحقيق الأهداف المنشودة.

والاهم أن كل ذلك يستند إلى رؤية واضحة وأهداف محددة، تعتمد على الواقع لكنها لا تقف عنده، بل تنطلق نحو أفق واسع يتطلع إلى المستقبل بطموح لا محدود وعزيمة لا تعرف المستحيل، وهي صفات تحلى بها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد منذ نشأته في مدرسة البناء والإعمار

وبعد النظر التي أرسى قواعدها الوالدان المغفور لهما الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمهما الله، ثم نمت وترسخت بحكم تجربة سموه في المواقع القيادية المدنية والعسكرية، وتعدد مواهبه الشخصية، فارسا لا يجارى وشاعرا يلهث خلفه الشعراء.

وتكتسب هذه التجربة أهميتها، ليس في نطاقها المحلي أو مجالها الإقليمي فحسب، وإنما باعتبارها تجربة إنسانية تستحق الدراسة وتحتاج إلى مثلها دول ومجتمعات عديدة، إذا ما أرادت لنفسها أن تدخل العصر من أبوابه الصحيحة وتحقق لذاتها ما عجزت عنه طوال عقود وعقود.

فتجربة الإمارات عامة، وشخصية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بصفة خاصة، تثبت وتؤكد انه إذا توفرت الرؤية السليمة والإرادة الصادقة والطموح العقلاني الواعي، فان المجتمع، مهما كان، يستطيع أن يحقق أي انجازات عظيمة ويصل إلى ما يريد.