يبدو أن الولايات المتحدة قد سقطت في المستنقع العراقي ودخلت عش الدبابير دون أن تعي مخاطر ذلك مسبقاً، إن الورطة العسكرية والخطأ الاستراتيجي الذي وقعت فيه واشنطن وأوقعت معها المنطقة برمتها جعلها تتخبط في المعالجات، لكنها في ذات الوقت لا تبحث عن مخارج عقلانية إمعاناً في الكبرياء وافتتاناً لا حدود له بالقوة، الأمر الذي يؤكد بجلاء خطأ حساباتها السياسية والاستراتيجية منذ البدء.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة أنجزت هدف الاحتلال بسهولة وسرعة قياسية معروفة، لأسباب دولية وأخرى داخلية تتعلق بطبيعة النظام القائم في العراق، بيد أن العراق يعيش اليوم أوضاعاً مأساوية فالقتل والدمار والتفجيرات صارت لغة يومية يعيشها العراقيون والنزيف مستمر، وبالتالي فشلت الحكومة في السيطرة على الأوضاع وأضحى الفلتان الأمني والاقتتال الطائفي عنوان المشهد المأساوي.
حيث تزداد أعمال العنف بصورة متواترة وتشتد المقاومة في توجيه ضربات موجعة للقوات الأميركية وتزداد الخسائر البشرية والمادية بصورة أوقعت إدارة بوش الابن في مأزق حرج، وأضحت كل الخيارات صعبة، وتجد الإدارة الأميركية نفسها اليوم أمام خيارين أحلاهما مر ( البقاء أم الانسحاب ) هذا إذا ما علمنا أن الخسائر المادية الأميركية منذ احتلال العراق بلغت نحو 350 مليار دولار ناهيك عن الخسائر البشرية في صفوف جنودها .
لكن من جانب آخر فإن الوجود العسكري الأميركي في العراق ومنطقة الخليج العربي يهيئ للولايات المتحدة السيطرة وبسط النفوذ على هذه المنطقة الاستراتيجية ويزيح القوى الدولية الأخرى، ليصبح أمن الخليج أميركياً مئة بالمئة ودخلت على إثرها المنطقة في مرحلة جديدة من التوازنات غير المسبوقة.
ولا ريب أن الخليج العربي بعد احتلال العراق يعيش أوضاعاً غير مستقرة، حيث تواجه دول المنطقة ضغوطاً وتعيش إيران حالة شد وجذب مع واشنطن حول الملف النووي والمسألة العراقية، لذلك فإن البعض يرى بأن المخرج للتوترات الراهنة هو انسحاب الولايات المتحدة السياسي والعسكري من منطقة الخليج العربي، وذلك كما فعلت بريطانيا عام 1971، فأمن الخليج ممكن من دون الولايات المتحدة، كما أن دول وشعوب منطقة الخليج إذا ما تركت من دون الوصاية الأميركية ووجودها العسكري قادرة على التعايش في ما بينها والاتفاق على معادلة أمنية معقولة ومقبولة.
الشاهد أن الأوضاع غير المستقرة التي يعيشها الخليج والمنطقة العربية جراء أحداث العراق تجعل الجميع يتساءل عن مستقبل الاحتلال الأميركي في العراق وتزايد حالة الاحتقان واتساع نشاط المنظمات الإرهابية التي تهدد الجميع وتعمل وفق منظور عدمي تكفيري، إزاء ذلك يمكن وضع بعض القراءات المستقبلية تتمثل في الآتي :
ـ يبدو أن الولايات المتحدة ستظل هي اللاعب الرئيسي والمهيمن على منطقة الخليج العربي على المديين المتوسط والبعيد، لاسيما في ظل نظام القطبية الأحادية واختلال الموازين الدولية لصالح واشنطن.
ـ أي قراءة سياسية واستراتيجية تشير إلى أن منطقة الخليج العربي مرشحة لأزمات وحروب مستقبلية استكمالاً لسلسلة الحروب السابقة، ولعل نزاع إيران مع أميركا والغرب مرشح لتطورات دراماتيكية قد تقود المنطقة إلى فوضى وتصاعد وتيرة العنف.
ـ مع ضعف النظام الإقليمي العربي وتآكله وازدياد حدة الهجمة الأميركية على الشرق الأوسط فإن دول الخليج تجد نفسها مدفوعة نحو الولايات المتحدة بفعل معطيات داخلية وعوامل إقليمية ودولية.
ـ أضحت المنطقة العربية برمتها تعيش تحت ضغوط وهيمنة واشنطن يواكبها سخط شعبي وكراهية تكنها الشعوب العربية للولايات المتحدة وسياستها في المنطقة والعالم.
ـ تدهور عملية السلام في الشرق الأوسط وانسداد الأفق السياسي ربما يقود إلى تدهور الأوضاع في المنطقة سيما مع اختلال الموازين القوى لصالح إسرائيل فضلاً عن تحيز واشنطن معها، وفي المحصلة العامة فإن منطقة الخليج العربي ليست ببعيدة عن مثل هذه التطورات التي ستنعكس عليها سلباً.
ـ من المرجح أن الولايات المتحدة ستلجأ مستقبلاً إلى تخفيض وجودها العسكري المكثف في منطقة الخليج العربي لجهة إعادة تموضعها الاستراتيجي بما يحمي مصالحها ويقلل من نسبة الخسائر البشرية في أوساط جنودها، والاعتماد على قواعدها العسكرية المنتشرة والتسهيلات التي تحظى بها في دول شتى. غير أن المعادلة بكل أبعادها لا ترتكز على الوجود الأجنبي ومصالح القوى الدولية، فمجمل الأوضاع العربية لا تسر عدوا أو صديقا وبعض النظم العربية متهمة مع سبق الإصرار في حالة الإخفاق والوهن الذي تعيشه شعوبها والكل يتعاطى مع نظرية المؤامرة التي تحمل الخارج كل مصائب الداخل والشعوب دوماً تدفع الثمن.