انتشرت مراكز الأبحاث والدراسات في البلدان العربية انتشار الفطر، وأخذ معظمها يضيف اصطلاح (الاستراتيجية) لاسمه، وغدا الدارسون (الاستراتيجيون) في الوطن العربي أكثر من المحللين السياسيين، و(كل يدعي وصلاً بليلى)، ومن يطلع على نتائج أعمال هذه المراكز ودراساتها وأبحاثها قد يصاب بالخيبة الشديدة، ويبرز أمامه ضعف هذه الدراسات والأبحاث التي تنتجها وضحالتها مبنى ومعنى باستثناء قلة نادرة جداً من المراكز (منها مركز الأهرام) قد تقدم دراسات وأبحاثاً تليق بهذا الاسم، أما معظمها فيقوم على معطيات غير كافية،

ويقدم دراسات مبتسرة تصل إلى نتائج جزئية ومتسرعة وغالباً خادعة أو مضللة، ورغم شعورنا بالسعادة جراء انتشار مراكز الدراسات وشعورنا بالاطمئنان انطلاقاً من الظن أننا بدأنا ندرس واقعنا ونستقرئ ما يساعد أصحاب القرار على اتخاذ قراراتهم بعزيمة ثابتة وبجدية ومسؤولية،

إلا أن هذا لا يلغي إصابتنا بالإحباط ووقوفنا على حافة اليأس عندما نلاحظ أن الأمر لا يتعدى وجود بضعة أسماء في مراكز وهمية تنتج دراسات كيفما اتفق ولا تمتلك من خصائص الدراسات شيئاً، خاصة وانه من المفروض أن تشكل هذه الدراسات أرضاً صالحة لبناء سياسة شاملة في موضوعها اعتماداً على معطيات صحيحة ومنهجية تحليل علمية.

إن الخطوة الأولى التي لا بد منها لأي دراسة كي تكون مفيدة تتمثل في وجود معلومات دقيقة وتوفر إمكانية الحصول عليها، فالمعلومات هي مفتاح الدراسة وشرطها الذي لا غنى عنه والعنصر الأساس الذي يعطيها المصداقية، والحال أن المعلومات في بلدان وطننا العربي غير متاحة فهي سرية غالباً (مهما كان موضوعها) ولا تعطى لأحد ولا تحمي قوانيننا حق الدارس أو الصحافي أو المواطن بالحصول على المعلومة، و

لا يلام أو يعاقب من يحجبها، وقبل ذلك فمعظم المعلومات المخزونة في صناديق إداراتنا ومؤسساتنا مشكوك بصحتها، ولم تتوفر لدينا بعد التقاليد التي تجعلنا نهتم بالمعلومة ونحترم صدقيتها، وفي ضوء ذلك فإن بعض بلداننا لا تعرف حتى عدد سكانها أو سكان عواصمها، أو حجم إنتاجها الزراعي أو الصناعي، أما المعلومات الأخرى ذات العلاقة بنشاط الدولة وتعليماتها وقوانينينها وخططها وتقويمها لأعمالها

فهي قدس الأقداس الذي لا يمسسه أحد، تارة بحجة الحفاظ على أسرار الدولة وطوراً لضرورات الأمن القومي وغالباً لأن المسؤول يرفض الإفراج عنها. وفي الخلاصة نجد معلوماتنا نادرة وحقنا في الوصول إليها شبه معدوم، سواء كان الذي يحتاجها مركز دراسات أم مؤسسة دولة أم غيرها، ومادام الحال كذلك فكيف يمكن لمراكزنا أن تزعم أنها مراكز دراسات حقاً، وأن دراساتها جديرة بالاعتبار.

والخطوة الثانية اللازمة لنجاح أية دراسة تقع في حرية تداول المعلومات، وهذه الحرية حفظتها الدساتير العربية من جهة وعطّلتها القوانين من جهة أخرى حيث نصت الدساتير العربية جميعها أن حرية الرأي والتعبير وتداول المعلومات محفوظة بحدود القانون (وهذا القانون إما أن لا يصدر أبداً أو تمنع نصوصه ما سمح به الدستور) وفي حال حصل أحد على معلومة واستخدمها من خارج هذا التضييق فقد يتعرض للمساءلة بتهمة (تسريب المعلومات) مع أن الحصول عليها وتداولها حق لكل مواطن في معظم بلدان العالم إلا في بلادنا (إلا الحمزة لابواك عليه).

والخطوة الثالثة الضرورية لنجاح مركز الدراسات هي أن يتوفر فيه عدد كافٍ من الدارسين، وهؤلاء كثر في بلادنا جميعها وأكفاء وقادرون، ولكن فقر المراكز وشح مواردها وتكسب بعض مؤسسيها وعدم اهتمام أحد بالاشتراك بدراساتها وخاصة مؤسسات الدولة خلقت ظروفاً سلبية أقلها اللجوء لدفع مبالغ زهيدة للدارس تجعله غير مهتم بقبول المشاركة في دراسات المراكز ونشاطاتها، وإن قبل تجده غير مهتم بدقتها وغير قادر أساساً أن يعطيها حقها من وقته وجهده،

وهذا يقودنا إلى القول ان مراكز الأبحاث والدراسات تحتاج لإمكانيات هائلة، وبدون توفر هذه الإمكانيات يبقى الخلل قائماً في بنية هذه المراكز وفي نشاطها وآلية عملها ومصداقية دراساتها واستنتاجاتها، ونلاحظ أن معظم المراكز القائمة حالياً تقوم على جهد شخص أو شخصين يعملون في غرفة أو غرفتين،

تنتظر مناسبة تتاح لها لتقديم دراسة تعود عليها ببعض العائد، وهي تفتقد لمركز توثيق وشبكة اتصال وتواصل مع مراكز عالمية، وأخرى قادرة على الحصول على المعلومات، ويضعف التعاون بعضها مع البعض الآخر أو مع المؤسسات العامة والخاصة، انها في الواقع تفتقد لأية بنية تحتية لابد منها لكل مراكز أبحاث ودراسات.

عمد الأوروبيون والأميركيون في السنتين الأخيرتين إلى اعتماد مخصصات مالية لمساعدة مؤسسات المجتمع المدني ومراكز الأبحاث والدراسات في بلادنا، فضلاً عن عقد ندوات تتناول قضايا اقتصادية واجتماعية وإنسانية وغيرها، كقضايا التنمية أو المرأة أو الطفل أو حقوق الإنسان، وأخذت تمول مثل هذه الندوات بطريق مراكز الدراسات والأبحاث،

والمدقق في محاور هذه المشاريع يلاحظ أنها لا تأخذ حاجة مجتمعاتنا الجدية باعتبارها تطرح بدلاً عن ذلك قضايا تهم الجهات الممولة فتؤسس لمشاكل بدلاً من أن تحل مشكلة، كأن تدرس مثلاً قضية (الجنسانية أو الجندر) بدلاً من أن تدرس قضايا المرأة الحقيقية وحقوقها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أو تدرس قضية العنف ضد الأطفال قبل أن تدرس مشكلة تعليمهم وتشغيلهم منذ الصغر وقضايا صحتهم وتغذيتهم وغيرها،

في الوقت الذي تبني علاقات مع هذه المؤسسات والمراكز تعتمد على المساعدات المالية وهي غالباً غير بريئة، فتتحول المؤسسة أو المركز إلى وسيلة بيد الآخرين ومركز دعاية لهم وتساهم في تغيير الأولويات الأساسية التي تحتاج لدراسة وتتبنى بدلاً عنها أولويات أخرى تفيد الآخر دون أن تنفع المجتمع الذي يحتضن هذه المراكز.

من العبث إنكار أهمية مراكز الدراسات والأبحاث بل من المتعذر في عصرنا اتخاذ القرار دون اعتماد على دراسات ذات جدوى، ولعله من المهم أن تدعم الحكومات ومؤسسات الدولة والمؤسسات الخاصة هذه المراكز عن طريق الاشتراك بدراساتها أو التبرع لمشاريعها، في الوقت الذي يتاح لها فيه الحصول على المعلومات ويسمح لها بحرية تداولها والاستفادة منها.

إن الأمر ليس أمر دعم مراكز دراسات فقط بل أيضاً الاعتراف بالحاجة إليها وتأسيس تقليد الاستفادة من أعمالها بل جعلها أساساً لكل نشاط سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي أو تعليمي أو غير ذلك، وإيجاد الشرط الموضوعي للاصطفاء بحيث تتلاشى المراكز غير المؤهلة وترسخ المراكز القادرة أقدامها ويتعزز دورها، وتصبح دراساتها أساساً لنشاط إداراتنا ومؤسساتنا العامة والخاصة احتراماً لمنهجية العمل وجديته. ولنتذكر أخيراً أن الميزانية الإسرائيلية تخصص للأبحاث والدراسات ثلاثين ضعف ما يخصصه المتوسط العربي قياساً للفرد الواحد.

كاتب سوري