وسط الازمة التي تشهدها الساحة السياسية الفلسطينية فيما يتعلق بكيفية التعاطي مع المجتمع الدولي ومع التحديات التي يفرضها الاحتلال الاسرائيلي، وحول ماهية الاسلوب الافضل لتخفيف معاناة شعبنا وتمكينه من تحقيق حقوقه الوطنية المشروعة. ووسط انقسام واضح في موقفي الرئاسة والحكومة وخلاف لم يعد سرا بين حركة فتح وحماس وبين مواقف وبرامج منظمة التحرير الفلسطينية وبين موقف الحكومة الفلسطينية الحالية التي شكلتها حركة حماس.
وسط هذه الاجواء وما يرافقها من حالة احتقان واتهامات متبادلة ومظاهرات واحتجاجات للموظفين الذين لم يتلقوا رواتبهم منذ سبعة شهور وفي ظل حالة من الفلتان الامني الخطير وعدم سيادة القانون تبرز مجددا اهمية التذكير بالديمقراطية التي ارتضاها الشعب الفلسطيني وكل قواه السياسية ،بكل ما يتضمنه النهج الديمقراطية من تعددية سياسية وضمان حرية التعبير وحرية الكلمة واحترام الحقوق واللجوء الى الاطر الشرعية المعروفة لحسم اي خلاف.
لقد تفاءل شعبنا خيرا عندما اعلن الرئيس محمود عباس ورئيس الوزراء اسماعيل هنية مؤخرا عن قرب تشكيل حكومة وحدة وطنية تخرج شعبنا وقضيتنا من المأزق الراهن وتفتح الباب امام رفع الحصار الظالم المفروض وتمهد الطريق كي يأخذ المجتمع الدولي دوره المفترض في حل القضية الفلسطينية ومساندة ودعم مطالب شعبنا العادلة في الحرية والاستقلال
واذا بنا بعد ايام من هذا الاعلان نفاجأ بان الخلافات التي دار الحديث حولها منذ شهور لا زالت على حالها وان المعاناة الرهيبة التي يعيشها شعبنا لم تفلح في دفع القوى الوطنية وخاصة حركتي فتح وحماس الى التوصل الى اتفاق مما اعاد الامور الى نقطة الصفر، كما قال الرئيس، ثم ما تلا ذلك من اتهامات متبادلة وتلويح باحتمالات تفجير الوضع..الخ من التصريحات والمواقف التي هي ابعد ما يكون عن الديمقراطية وحرية التعبير.
فالديمقراطية تعني فيما تعنيه احترام التعددية السياسية واحترام خيار الشعب وحق كافة القوى السياسية في التعبير عن مواقفها بحرية وحق الافراد ووسائل الاعلام في التعبير عن الرأي فيما يتعلق بقضايا مصيرية تخص الجميع وليست حكرا على فئة او حزب او حركة.
وهذا يعني ايضا ان النظام الديمقراطي يمتلك من الاطر والمؤسسات ووسائل الاعلام ما يكفي للتعبير عن وجهات النظر والبرامج والمواقف وان اي خلاف مهما بلغت حدته يفترض حسمه ضمن هذه الاطر بعيدا عن لغة التهديد والوعيد وبعيدا عن منطق القوة، فهناك دستور وقانون واعراف يفترض ان تشكل مرجعا وضابطا لحسم الخلافات. فلا يعقل ان نتغنى بالديمقراطية وحرية التعبير ونكمم افواه الناس او نقمع حق اية قوة سياسية في التعبير او ان نقيد حرية الصحافة ووسائل الاعلام ونحاول جرها لخدمة هذا الموقف السياسي او ذاك.
واذا كانت وسائل الاعلام هي السلطة الرابعة بعد السلطتين التشريعية والتنفيذية والسلطة القضائية، فان اي محاولة لقمع وسائل الاعلام عن القيام بدورها المفترض تعني محاولة لالغاء الديمقراطية وحرية التعبير، وهو ابعد ما يكون عما تطرحه كافة القوى السياسية الفلسطينية من برامج وشعارات تتغنى بها دوما.
وامام المفترقات المصيرية خاصة، كالمفترق الذي وصلت اليه قضيتنا الفلسطينية اليوم فان اي ممارسات تهدد الديمقراطية وتهدد حرية التعبير تعني فيما تعنيه الاستخفاف بالشعب الذي يفترض ان تكون له الكلمة الاولى والاخيرة في تحديد مستقبله ومصيره، كما تعني التنكر للديمقراطية نفسها التي نؤمن بها جميعا.
ولذلك نقول ان حسم خلافاتنا الداخلية وخدمة المصالح العليا لشعبنا لن يكون ممكنا بمنطق القوة او التخوين او القمع او التنكر لاساليب العمل السياسي المتعارف عليها في ظل النظام الديمقراطي. فالمطلوب اليوم من الحكومة والرئاسة ومختلف القوى السياسية وخاصة حركتي فتح وحماس المسارعة الى ايجاد صيغة تخرج شعبنا من المأزق الذي وصل اليه،فلدينا قانون ولدينا اطر شرعية كافية ولدينا صلاحيات ومرجعيات واضحة ويبقى ان يتحمل كل منا مسؤولياته ويعمل ضمن هذه الاطر لحسم الخلافات القائمة.
واذا كانت الديمقراطية لدينا تتعرض اليوم للاختبار فان من واجب كافة القوى السياسية العمل على تعزيز هذه الديمقراطية وضمان حرية التعبير وصون التعددية السياسية والابتعاد عن كافة المظاهر التي تسيء لشعبنا وقضيته الوطنية ولا تخدم سوى اولئك الذين دأبوا على تصويرنا امام العالم كمجموعات متناحرة غير قادرة على اعتماد لغة الحوار الحضاري او ادارة دولة مستقلة.