في زيارة رسمية إلى باريس سألوا الضيف الزائر شوين لاي (1898 - 1976) وكان رئيسا لوزراء الصين الشعبية وتحوطه سمعة دولية بوصفه واحدا من أقدر الساسة في زمانه - ودار السؤال حول نتائج الحرب العالمية الثانية (التي كان قد مضى عليها قرابة ثلاثين سنة). وأجابهم شوين لاي قائلا: مازال الوقت مبكرا لإصدار الأحكام.
واذا كان السياسي الصيني الحكيم يدعو إلى مثل هذا التريث،فما بالنا بإصدار أحكام تتوخى الموضوعية والعقلانية على أحداث مازالت مشاهدها لم تتم فصولا وفي مقدمتها المواجهات العسكرية الدامية التي اندلعت مؤخرا بين المقاومة الوطنية اللبنانية بقيادة حزب الله وبين الآلة العسكرية الصهيونية التي حشدتها القوى الحاكمة في إسرائيل.
وأيا كان القول الفصل أو الرأي في ملابسات ونتائج تلك المواجهة فالبديهي ان كانت قلوب العرب والمسلمين مع الطرف اللبناني، والبديهي أيضا أنها كانت ضد العدو الصهيوني.. لأنه ببساطة عدو.. وصهيوني (بمعنى أنه ينفذ طرف المشروع الاستيطاني الإمبريالي في قلب الأرض العربية وهو بحكم هذا التعريف يشكل خطرا حالاًّ وداهما وجسيما ومتربّصا بكيان العرب والمسلمين).
وفي سبيل المزيد من الموضوعية.. يستطيع التحليل السياسي أن ينحى جانبا ولو بصورة مؤقتة ما يصدر عن طرفي المواجهة المذكورة من طروحات سواء في لبنان أو في إسرائيل أو حتى على مستوى دوائر التحليل السياسي في العالم العربي.
لكن ها نحن بإزاء تحليلات تصدر في الولايات المتحدة ذاتها رغم أنها ليست الطرف المحايد تماما في مثل هذه المواجهات.. ولكن يمكن أن يصدر على صعيدها فكر يجهد في تحليل القضايا ويحاول أن يتبع نهجا معقولا بدرجة أو بأخرى..
أمامنا أحدث الأعداد الصادرة عن مجلة «نيشن» الأميركية المستنيرة (عدد 11 سبتمبر 2006) وفي تصديره مقالة مهمة بقلم أحد كتابها المتخصصين وهو «أيال رس» اختار لها عنوانا له دلالته وهو: «العواقب في إسرائيل».
وبالمناسبة فقد أعد هذا الكاتب مقالته خلال زيارة له إلى داخل إسرائيل، وبالمناسبة أيضا فإن اسمه يحمل إلى السمع إيقاعا يهوديا بمعنى أنه ليس متحاملا على الكيان الصهيوني بقدر ما أنه يحاول توخي الحقيقة في تحليله ولو بصيص منها.
أيال رس يبدأ بالتأكيد على مقولة معروفة ولكن يتم تناسيها في بعض الأحيان وهي ان القوة العسكرية ليست العامل الحاسم في كل موقف.. القوة العسكرية لها حدودها وقيودها.
وفي معرض التفسير، يوضح الكاتب الأميركي، أن إسرائيل شنت حملة القصف الشاملة (الوحشية من وجهة نظرنا العربية) على مواقع شتى في لبنان فيما كانت دوائر في واشنطن تأمل بوضوح في أن تصلح هذه الحملة (الصهيونية) كنموذج يمكن احتذاؤه بعد ذلك بالنسبة لحملة قصف أخرى تشنها أميركا هذه المرة في هجوم على إيران.
في هذا السياق بالذات يحيل الكاتب الأميركي إلى الرؤية التي سبق إلى طرحها المحقق الصحافي الشهير سيمور هيرش في دراسة نشرها مؤخرا في مجلة «نيويوركر» وأوضح فيها أن النتائج الحملة الإسرائيلية لم تأت مطابقة ولا محققة لتلك الآمال. وبدلا من ذلك فقد أعادت إلى الأذهان .
- كما أوضح هيرش - تجربة أميركا في العراق حيث عقدت المقارنة بين ما تكبدته إسرائيل في لبنان من خسائر وما عانته وتعانيه القوات الأميركية من خسائر فادحة بسبب تورطها - تضيف المجلة الأميركية بالحرف - في مستنقع يمكن أن يمتد أجله عدة شهور.
من ناحية أخرى يعترف المعلق السياسي الإسرائيلي جدعون ليفي في صحيفة «هاآرتس» مؤكدا للكاتب الأميركي الذي نحيل إليه «إن السلام لا يتحقق بأن تفرض شروطك بالقوة على الطرف الآخر ولكن السلام يتم من خلال التفاوض بغية التوصل إلى اتفاقات لا مع الأطراف التي نثق بها فهذه الأطراف ليست بحاجة إلى إبرام معاهدات أو اتفاقات ولكن مع الأطراف الأخرى المناوئة».
وفي معرض قراءة ومتابعة مثل هذه التحليلات يشعر المرء أن الحصاد النفسي لحرب إسرائيل في لبنان ليس بالأمر الهين ولا البسيط.
ورغم أنه لا مجال بالقطع للتهوين من شأن وجسامة ما أسفرت عنه تلك الحرب من دمار في البنى الأساسية لذلك البلد العزيز على أفئدة العرب جميعا - إلا ان هذا الثمن الفادح وهو ثمن دفعته شعوب كثيرة عبر مراحل التاريخ.
ومازال يدفع مغارمه الشعب العربي الفلسطيني، هذا الثمن له مقابل إيجابي يتمثل ولو بصورة نسبية فيما أحدثته ملابسات هذه الحرب وبالذات صمود الطرف اللبناني وقدرته المشهودة على الفعل والمواجهة.
ويتمثل هذا المقابل الايجابي في استكمال ما أكدته مواجهات سبقت ضد الآلة الحربية للعدو الصهيوني ابتداء من معارك رأس العش في مصر العربية غداة هزيمة يونيو 67 وضرب الصهيونية إيلات ووقائع حرب الاستنزاف إلى حرب أكتوبر في سيناء والجولان فضلا عن معركة الكرامة التي خاضتها المقاومة الفلسطينية في أغوار الأردن وكلها أكدت أن إسرائيل ليست بالعدو الذي لا يقهر وأن قدرات الحشد وإتقان الأداء وصمود المواجهة استنادا إلى سلامة الاستعداد وعمق الإيمان بعدالة القضية الوطنية - القومية - كل هذا لا يمثل مجرد شعارات للاستهلاك الإعلامي بقدر ما أنها ركائز تدعم المقاومة حين يفرض عليها القتال على كُره منها.
ثم يواصل الكاتب «أيال رس» ما عاينه بنفسه داخل إسرائيل مما تصفه سطوره حرفيا بأنه (سوء الإدارة العسكرية حيث دفعوا بقوات إسرائيلية تفتقر إلى الإمدادات والمؤن الأساسية مثل الطعام والماء(!) وحيث كانت الأوامر تصدر مشوبة باضطراب فإذا بها تتبدل وسط احتدام العمليات).
وهنا يخلص المحلل السياسي الأميركي إلى نتيجة يقول فيها: لقد لمست خوفا منتشرا على نطاق واسع في إسرائيل.. وهو تخوف لا تعوزه المبررات ومفاده أن قدرة إسرائيل الشهيرة على الردع قد لحقتها أضرار لا سبيل الى إصلاحها.
في نفس السياق، وفي نفس العدد الصادر عن مجلة «نيشن» يستعرض كاتب أميركي آخر هو «الكسندر كوكبورن» المشهد السياسي الداخلي في اسرائيل فإذا بنا نطالع من تحليله معلومات عن الرشاوى والمحسوبيات وعمليات السمسرة فيما يتعلق بأحدث منظومات السلاح التي تستوردها إسرائيل من أميركا، وإذا بنا نقرأ عما يصفه كوكبورن في عبارات تقول ما يلي بالحرف:
لقد أصيب الجيش الإسرائيلي بتشوهات من جراء «العلاقة الخاصة» مع دوائر صنع السلاح في أميركا التي يشكل الكونجرس جزءا لا يتجزأ منها، وجاءت هذه التشوهات على شكل فساد أخلاقي ناجم بدوره عن سنوات من الإيذاء الوحشي للفلسطينيين وأطفالهم العزل المجردين من السلاح بغير رقيب أو محاسبة ولا مسؤولية..
أخيرا يقول الأستاذ كوكبورن (وهو طبعا ليس متهما بمعاداة السامية):
إن سنوات التعصب العنصري في اسرائيل لها بدورها ثمن فادح.. وما عليك (كما يفعل الاسرائيليون) سوى أن تنظر إلى العرب على أنهم «إرهابيون» أدنى من مستوى البشر وبعدها لن تكون حصيلة هذه المواقف سوى المزيد والمزيد من الأحكام الفاسدة والتصرفات الخاطئة في ميدان التكتيك و في مجال الاستراتيجية على السواء.
كاتب مصري