عاد لبنان إلى دوامة استعراض القوة الشعبية. ومع هذه العودة ارتفعت وتيرة التراشق السياسي. وتعنف خطاب الأطراف المختلفة. على ساحته. وقد سجل بارومتر السجال الدائر، درجات عالية من السخونة، لم يعرفها من قبل.

مما أضاف المزيد من التوتر في الأجواء المشحونة أصلاً. المهرجانات والمؤتمرات الصحافية التي توالت وما رافقها من تقاذف واستقطاب، شكلت فصلاً جديداً من فصول المأزق اللبناني؛ الذي بات مفتوحاً على زيادة في التعقيد والتأزيم.

والملفت في هذا التطور أمران: أن التصعيد المتفاقم وبسرعة، حصل في أعقاب تضامن لبناني شامل ورائع؛ تجلى خلال شهر الحرب العدوانية الإسرائيلية على لبنان. كان المتوقع أن يتعزز التقارب وأن تتقلص الفجوات. أو على الأقل أن تصبح طريق الحوار والتفاهم، حول القضايا الخلافية، سالكة أكثر ومسهلة.

إن «حرب الساحات» عادت وانتعشت، بل التهبت، في وقت مازال فيه البلد يحاول النهوض من تحت ركام العدوان والتدمير الذي أصاب جميع اللبنانيين، أيضا كان المفترض أن تكون الأولوية لإزالة آثار العدوان؛ ثم العودة إلى الجدل السياسي. فالوقت يتسع لاحقاً لمثل ذلك. طبعا فتح السجال حول الحرب الأخيرة، علامة عافية. لأن في ذلك عملية تقييم.

وكل مراجعة وتقييم بعد هكذا حدث، تعود بالفائدة على كافة الأطراف. كما على الوطن. لكن ذلك له توقيته. كما له قنواته ومفرداته. خاصة في مرحلة بالغة الدقة والحساسية كالتي يجتازها الوضع اللبناني حالياً. وبالأخص أن اللبنانيين يدركون أكثر من غيرهم أن الحوار والتوافق هما خيارهم الوحيد. وقد جربوا ذلك من خلال طاولة مؤتمر الحوار الوطني؛ على مدى الأشهر الستة الأولى من هذه السنة. صحيح أن الحصيلة كانت شحيحة. لكنها لم تكن بلا جدوى. أعطت بعض النتائج.

وأهم شيء أن الجلوس والتحاور سحب التوتر من الشارع وأدى إلى إشاعة جو من الاسترخاء والتفاؤل؛ ولو المحدود، وهذا ما كان اللبنانيون بحاجة إليه. واليوم هم أشد حاجة، بعد الحرب العدوانية الأخيرة وما تسببت به من خسائر في الأرواح والأرزاق. آخر ما يريدونه الآن هو العودة إلى مناخات التأزيم، المسربل للبلد، الذي لم يعد يحتمل المزيد من هذه البضاعة. فما يلزمه هو النقيض تماماً. أوفي أقله يلزمه فسحة للتنفس، بعد فترة الاختناق، الذي أصابه طوال هذا الصيف.

لكن السوابق تقول، إن الوضع اللبناني يمتلك صمامات أمان، كافية من أجل لجم أي اندفاع نحو الخطوط الحمراء. تعلم الدرس من تجربة الحربة الأهلية المكلفة. عام 2005 حفل باستعراضات الساحات، لكنه اجتازها كلها من دون حادثة أو مواجهة دموية واحدة، بل إنه سرعان ما انصرف إلى اللملمة، من خلال مؤتمر الحوار الوطني.

فمن يملك مثل هذه التجربة محكوم بترجيح الخيارات العقلانية وبوضع الضغط على الكوابح؛ في اللحظة المناسبة. وهذا هو الجانب المطمئن. وما يعززه أن الساحة اللبنانية تشهد حاليا حركة مكثفة باتجاه التهدئة وتنفيس الاحتقان؛ تمهيداً للرجوع إلى القواسم المشتركة؛ التي لا خلاص خارج التمسك بها والارتكاز عليها.