لا يمكن أن ننكر الدور الايجابي الذي يؤديه وفد الترويكا العربية داخل أروقة مجلس الأمن الدولي من أجل إنقاذ لبنان الشقيق الذي اتسعت على أرضه مساحة الدمار بفعل آلة الحرب الإسرائيلية، التي تستهدف الصغار قبل الكبار بمن فيهم الأطفال الرضع الذين تنتشل فرق الإنقاذ جثثهم يومياً من تحت أنقاض المنازل.
الوفد العربي في نيويورك الذي يضم سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية ونظيره القطري الشيخ حمد بن جاسم بن جبر والأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى، حرص على وضع النقاط على الحروف أمام أعضاء مجلس الأمن وعلى رأسهم الخمسة الكبار حملة الفيتو الذين لهم السطوة والنفوذ في تمرير كل قرارات المجلس.
وكانت كلمة الوفد التي ألقاها وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم أمام المجلس واضحة وقاطعة. كشفت عن إصرار عربي على الوقف الفوري لإطلاق النار وضرورة انسحاب القوات الإسرائيلية المعتدية من الجنوب اللبناني. ويرى الوفد في دفاعه عن الحق اللبناني، أنه إذا تبنى مجلس الأمن قراراً غير قابل للتنفيذ ستكون له انعكاسات خطيرة على لبنان.
وهذا ما يتعلق بمشروع القرار الفرنسي-الأميركي الذي يدعو بصيغته الحالية إلى وقف العمليات العسكرية دون أن يطالب إسرائيل بسحب قواتها من لبنان. وقد حذر الوفد العربي من أنه إذا تبنى مجلس الأمن مثل هذا القرار دون دراسة وافية لواقع لبنان، فسوف يواجه هذا البلد العربي الشقيق حرباً أهلية، وبدلاً من مساعدة لبنان فسوف يدمر لبنان.
لقد حرص وفد الترويكا العربية على خوض معركة سياسية في نيويورك من أجل لبنان بشن هجوم دبلوماسي على الأمم المتحدة، لدفع مجلس الأمن إلى أن يتحمل ـ أو بالأصح يتذكّر ـ مسؤولياته في حفظ الأمن والسلم الدوليين. فإلى جانب كلمة الوفد أمام أعضاء المجلس ال15، عقدت الترويكا العربية وبحضور المبعوث الخاص للحكومة اللبنانية طارق متري اجتماعاً مغلقاً مع الخمسة الكبار أعضاء المجلس الدائمين، قدم خلالها وجهة النظر العربية التي تبناها الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب الذي عقد في بيروت.
وأكد الوفد عقب الاجتماع أن هناك تفهماً للمقترحات العربية من أجل تعديل مشروع القرار الفرنسي ـ الأميركي المعروض على مجلس الأمن حول العدوان الإسرائيلي على لبنان. وفرنسا تتقبل التعديل والولايات المتحدة شريكتها في إعداد مسودة القرار لا يمكن أن تظل متمسكة بموقفها الداعم لكل الطلبات والرغبات الإسرائيلية، ليس فقط لأن فرنسا مستعدة لتعديل مسودة القرار، ولكن لأن روسيا تتخذ موقفاً ايجابياً واضحاً ضد العدوان على لبنان، حيث تساند الجهود اللبنانية والعربية.
فقد أعلن المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة فيتالي تشوركين أن بلاده لا يمكنها تأييد المشروع الفرنسي ـ الأميركي لأنه غير مفيد للبنان ولا ينبغي إقراره لأنه لن يؤدي سوى إلى مزيد من استمرار النزاع. الروس يقبلون بما يقبل به لبنان. وهذا يعني أنه ليس أمام الأميركيين سوى القبول بتعديل المشروع، تجنباً ل«الفيتو» الروسي خلال التصويت.
ألمانيا أيضاً ـ رغم أنها ليست من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن ـ كشفت أمس على لسان وزير خارجيتها فرانك شتاينماير عن دعمها لتعديل مشروع القرار. إن المعركة الدبلوماسية داخل مجلس الأمن مستمرة، وتحرص الترويكا العربية من خلال ما تبذله من جهد ونشاط مكثف، أن تخرج منها منتصرة للحق اللبناني. وبالإصرار على التمسك بهذا الحق استناداً إلى الشرعية الدولية، لابد أن تؤتي المعركة ثمارها رغم أنف العدوان.