أتذكر تلك الأيام جيداً، كانت الصحف في عقد الثمانينات مثلا تستقبل من حين لآخر مواطنا جاء يحمل بيده ثمرة فاكهة او خضروات طالبا تصويرها كعلامة إعجاز رباني ،ثمرة بصل او ثمرتي بطاطس أو كمثرى ملتصقتين بشكل نادر حفرت فيها التربة وعوامل التعرية خطوطا فيها لفظ الجلالة (الله) وتلتقطه العين بسهولة.
لقد درجت الصحف على نشر مثل هذه الصور مستجيبة لإلحاح الناس كدلائل على الإعجاز الرباني، لكن الناس عندما التقطت الرسالة، أخذت توالي زيارة الصحف وهي تحمل الثمار بيدها في تقليد اخذ يقترب من العادة.
جاء يوم استوقف فيه زميل لنا من كبار السن احد هؤلاء البسطاء جاء يحمل ثمرة بيده وبادره قائلا: «يا ابني هل تعتقد ان إيماننا أو عدمه رهن بثمرة ،ان إيماننا أقوى من ان يحتاج لدلائل مثل هذه».
ان لهفة البسطاء في قصص ثمار الفواكه، هي نفسها الباقية الآن مع تحول كبير جعلها رد الفعل الوحيد تقريبا في امتحان وضع فيه الإسلام تحت المجهر منذ سنوات. والمؤسف ان الهلع وانعدام الثقة وقدرا غير قليل من الهستيريا هو القاسم المشترك بين كلا نوعي رد الفعل.
ومنذ ان أصبح الإسلام موضوع مناظرات ممتدة لم تتوقف منذ سنوات بين هجوم ودفاع، بات إيمان ملايين المسلمين على المحك. فهل هذا صحيح؟.
ان ردة الفعل هذه المنطوية على الهلع، ليست جديدة بل هي نفسها الممتدة من القرن التاسع عشر وحتى اليوم فطبعت تاريخ العرب المعاصر بموجة من النهوض القصير والردات.
ان تلك الصيحة التي تنصحنا «بأخذ المفيد وجوهر ما في ابتكارات حداثة الغرب وترك القشور» تحولت في عقدي الثمانينات والتسعينات إلى صيحة أخرى: «الأصالة والمعاصرة». لم تكن هذه سوى تنويعات على هذا الخوف المقيم من غرب شيطاني لا يكف عن التآمر علينا. لقد تشكلت ردات فعلنا حيال الغرب دوما على هاجس أكثر إقلاقاً: «الذوبان».
لن يدلنا على هذا الخوف المقيم من الذوبان سوى استقراء هذا الإلحاح على «الهوية» الذي يمثل ركيزة خطاب تلاوين متعددة من التيارات الإسلامية. ان الاستفادة من بعض فضائل مبتكرات حداثة الغرب وترك الباقي الضار هي الركيزة التي صاغت علاقتنا بالغرب منذ رفاعة الطهطاوي في القرن التاسع عشر وحتى الحرب العالمية على الإرهاب مطلع الألفية الثالثة للميلاد.
لكن هذا جعلنا نعيش حالة من الفصام أيضاً حيث تتنازعنا رغبة محمومة في مقاومة الذوبان ورغبة في مسايرة عالم يجري بسرعة لاهثة كي لا نجد أنفسنا وراءه.
لكن هذه ليست حال التيارات الإسلامية فحسب، بل حال نخب ثقافية وفكرية ونخب حاكمة تعيش منذ وقت ليس بالقصير حالة من الإفلاس والخواء.
وحسب الكاتب عدنان حسين وهو يشرح هذه الحال «فان هناك إشكاليات معقدة في الواقع الاجتماعي السياسي العربي، تتمظهر في الأحداث الجارية وفي المواقف منها، كأن مجموعة الدول العربية صارت في حالة انعدام الوزن».(عدنان حسين: اجتماع سياسي عربي مأزوم ـ المستقبل 15 يونيو).
«انعدام الوزن» يبدو هو التوصيف الأمثل لأوضاع لا تحكمها اعتبارات ولا رؤى بعيدة المدى، بل التسيير اليومي طبع حركة مجتمعاتنا بطابع اللهاث.
لقد كفت النخب الثقافية والفكرية العربية عن إنتاج أية أفكار منذ زمن طويل. ولم تعد قادرة على تحديد اية مرجعيات لها حتى وهي تخوض معركة المطالبة بالإصلاح في معظم البلدان العربية. ان محنة الاصلاحيين العرب مضاعفة، فالإصلاح ليس له تيار شعبي يسنده والاصلاحيون العرب لا يملكون القدرة على اختيار مرجعية واضحة للإصلاح وهو ما جعل المطالبة مجتزأة أيضا وأضاف عنصر ضعف آخر لحركة المطالبة بالإصلاح.
ان مفردات مثل «الفصل بين السلطات» و«تحسين أوضاع النساء» و«احترام حقوق الإنسان» و«المشاركة السياسية» و«إصلاح القضاء والتعليم»، مفردات متناثرة في خطاب الإصلاحيين العرب وليست جزءا من منظومة فكرية متماسكة.
ابعد من هذا، فان شيوع هذه المفردات في خطاب خليط متنافر من التيارات السياسية بدأ من الإسلاميين وصولا لليسار والليبراليين، يوضح بجلاء هشاشة تيار الإصلاح وهو يجمع هذا الخليط الذي لم يتخلص بعد من سطوة الايديولوجيا.
أبعد من التبشير بالازدهار الاقتصادي، لا تملك غالبية النخب الحاكمة سوى أفق واحد ورؤية واحدة هي تلك التي تجعل محركها الأساسي هو هاجس البقاء.
ان هذا الهاجس هو الذي يصوغ حركتها حيال شعوبها وحيال العالم، على هذا فان حركتها ليست سوى التفاف مستمر على أي ضغوط من اي نوع ومن أي مصدر لتفادي كل ما من شأنه اضعاف سيطرتها على السلطة والثروة.
ان هذا بالضبط ما يدفع حسين في مقاله ذاك للقول «ان نظرة شاملة على مآسي البلاد العربية، وعلى العمل العربي على المستويين المحلي والقومي، تفيد وجود خلل كبير في فكرة الدولة وأدائها».
أما ذلك الجيل من الاقتصاديين العرب الرؤيويين مثل طلعت حرب وأولئك الذين بنوا مصانع النسيج والحديد والصلب والصناعات المتوسطة في مصر والعراق وسوريا في العقود الأولى من القرن الماضي، حل مكانهم الآن جيل جديد من الاقتصاديين الذين يبشرون بفضائل الخصخصة والعولمة ويضاربون في أسواق الأسهم والعقار.
أما التعليم، فان خلو سجل أفضل الجامعات في العالم من اسم أي جامعة عربية ليس كافيا لاستثارة أي مشاعر تحد أو دوافع للانجاز. فالجامعات العربية تستحوذ عليها آليات الكبح نفسها التي تمارسها النخب الحاكمة وهي آليات أثمرت في هذا الميدان ندرة شديدة لمراكز الأبحاث العلمية في أي ميدان.
هكذا، عندما تتوقف الأفكار ودوافع الابتكار والتجديد والإنتاج، فان السكون هو المصير. لكن هذا السكون الذي يلفنا منذ أكثر من قرن لا يفعل سوى ان يعيد إنتاج واقع يزداد مرارا كل يوم تختزله عبارة واحدة مرحلة اثر الأخرى: «لم يبلغ العرب مرحلة من الهوان أكثر من هذه». انها العبارة التي ظلت تتردد منذ عام 1967 على الأقل وحتى اليوم.
العبارة المتجددة كل مرة وليس من دليل يقودنا إليها سوى التأمل فيما يجري في فلسطين والعراق لكي نكتشف كيف ان انعدام التأثير بات هو ما نعيد إنتاجه في كل مرحلة.
كاتب بحريني