كثر الحديث مؤخرًا، في عدد من المقالات المكتوبة بأقلام بعض المثقفين الغيورين على هوية بلدهم ومجتمعهم، والذين نزفوا جراحهم وهمومهم مدادًا على صفحات جرائدنا المحلية لأيام متوالية، عن الأساليب الاستعمارية الحديثة، التي بدأت تصل إلينا.
وتتخذ لها حيزًا بيننا، بمباركة من بعضنا، وتجاهل وسلبية من البعض الآخر، ولا مبالاة الكثيرين، إلا من رحم ربي، الذين يسعون إلى تبصير المجتمع وتنويره، وتحريك العناصر الفاعلة فيه، لاتخاذ ما يجب اتخاذه في سبيل المحافظة على هوية هذا البلد، سواء فيما يتعلق بالدين أو اللغة أو العادات والتقاليد.
وقد أشارت تلك المقالات التي ركّزت كثيراً على البعد الاستعماري المبطّن حيناً والسافر أحياناً في خطاب الآخر الموجود بيننا، والذي يتبوأ أعلى المراكز في كثير من مؤسساتنا، إلى أنه يسعى لتحقيق هدف أولي واحد ومحدد، وهو زعزعة مفهوم الهوية عند الجيل الناشئ في المجتمع.
أي جيل الشباب، الذي يمكن التوصل إليه، والتواصل معه بسهولة من خلال الكثير من المدارس الثانوية التي تستقطب أساتذة أجانب لتدريس اللغات الأجنبية والمواد العلمية، والجامعات التي بدأت في السنوات الأخيرة أيضاً تستقطب عدداً من الأساتذة الأجانب الخبراء في مجالات مختلفة بهدف تطوير التعليم الجامعي.
بالإضافة إلى وجود الكثيرين غيرهم خارج ساحات المدارس وأروقة الجامعات، يعيشون معنا ضمن فضاء زماني ومكاني مشترك، ومن الطبيعي أن يتأثروا بنا وأن نتأثر بهم في حدود ما تمليه ظروف المعاشرة، ولكن المهم هو أن يظل كل منّا محافظاً على هويته، أو على الأقل ألا يسعى طرف إلى التأثير على طرف آخر، وزعزعة مفاهيمه.
وإن كان لا بد من سعي أحد الطرفين إلى التأثير على الآخر وزعزعة مفاهيمه، فالطبيعي - من وجهة نظري - أن يقوم بهذا الدور أهل البلاد الأصليون، أو أن تسعى الأغلبية للتأثير على الأقلية، ولكن أن يحدث العكس، وأن تسعى الأقلية إلى فرض أفكارها ومعتقداتها على الأغلبية، وهم أهل البلاد الأصليون، فهذا أمر غريب حقاً.
ويبدو أن عدداً من المقيمين بيننا قد جاؤوا لأسباب شخصية بحتة، كتوافر فرص عمل مناسبة لهم، دون أن يكون لهم أهداف أخرى، إلا أن هذا الحكم لا ينطبق على الجميع، وقد اتضح من خلال الكثير من المواقف والمشاهدات التي سجلتها المقالات التي سبقت الإشارة إليها أن لبعض هؤلاء الأجانب الموجودين بيننا أهدافاً أخرى، تتجاوز الجوانب الشخصية الخاصة بكل منهم.
وتمتد إلى ما هو أبعد من ذلك، وهو إحداث تغيير جذري في المنطقة من خلال التوجه بشكل مباشر إلى الفئة الأكثر أهمية، وهي فئة الشباب، وإغراقهم في بحر من الأسئلة والمناقشات التي تزعزع مفاهيمهم الغضة، وأفكارهم الطرية التي لم تنضج بعد عما يجب أن يكونوا عليه بوصفهم عرباً مسلمين.
ولا شك أن الكثيرين منّا مؤرقون بهذا الهم الذي يشغلنا صباحَ مساءَ، ولكننا في غمرة انشغالنا بالآخر الذي يسعى إلى النيل من هويتنا، يجب ألا ننسى أولئك الذين يقبعون بين صفوفنا، يتحدثون بلغتنا، ويدينون بديانتنا، ولكنهم أبعد ما يكونون عنّا.
إذ لا يعنيهم سوى ما يصبّ بشكل مباشر في مصلحتهم، وهم في ذلك فئات متعددة، فيها الجاهل، والمتجاهل، والموافق، والمتواطئ، ولكن جميع هذه الفئات تشترك في أنها في النهاية تحقق أهداف الآخر، وتعجّل في تحقيقها، وتعطّل عمل الغيورين على البلاد، إما بموقف ضدّي، أو بموقف سلبي، وهذا يذكر بالتحول الذي أشار إليه الشاعر اليمني (عبد الله البردّوني) في إحدى قصائده، وعنوانها (الغزو من الداخل)، لشكل المستعمر الذي يرى أنه تحول من مستعمر غاز إلى مستعمر وطني.
في هذه القصيدة، تحدث البردّوني، الذي كان كفيفاً، عن خطر يسري في بلاده دون أن يلتفت إليه أحد، وأراد ـ هو الكفيف الذي رأى ذلك الخطر بنور بصيرته ـ أن يعرّف المبصرين به، وأن يلفت انتباههم إليه، ربما لأنه ظنّ -من باب إحسان النية- أنهم في غمرة اهتمامهم بالخطر المحدق بهم من خارج حدودهم قد ينشغلون عن الانتباه إلى وجود شكل آخر له، يعمل لصالحه، ويسعى من أجل تحقيق أهدافه، سواء شعر بذلك أم لم يشعر، مع أن حسن النية لا يبرر الخطأ.
ومن المعروف أن خطر المستعمر الخارجي ـ مهما كان الشكل الذي يحاول التغلغل عبره في بلداننا ـ أقل ضرراً من خطر العدو الداخلي؛ فالأول منهما معروف، ونواياه ومخططاته مكشوفة، مهما حاول إخفاءها والتستر عليها، إذ تفضحه الأساليب والطرائق التي يتوسل بها لبلوغ أهدافه. أما العدو الداخلي، فإنه يكون متستراً، غير مكشوف، وكما يقول البردوني:
غزاة اليوم كالطاعون
يخفى وهو يستشري
إذ لا يكون واضحاً، ولا معروفاً، وقد يبدو صديقاً، وموضع ثقة، ولكنه في الحقيقة يضع قناعاً، يروج به لنفسه عند الجماعة التي يختلف عنها قلباً وقالباً.
إن هذه البلاد -التي امتدت أياديها بالخير للجميع دون تمييز أو تفريق ـ في حاجة إلى أن يُدرك أبناؤها المخلصون خطر المستعمر الخارجي والعدو الداخلي، وأن يجند كل منّا نفسه لحمايتها من أي سوء يمسها في أي شأن، مهما كان مصدره، ولعل أهم جانب يمكن أن يظهر فيه الولاء الحقيقي والانتماء الفعلي لأي بلد هو السعي للمحافظة على هويته، وأهم عناصرها الدين واللغة.
فإذا ضاعا ضاعت معهما الأجيال القادمة، وانقطعت علاقتها بماضيها وجذورها، حتى تصبح مسخاً لا ملامح له، بما يعني أيضاً أنها ستفقد مستقبلها، لأن هذا العالم المتجدد والمتطور في كل لحظة لن يسمح بوجود مكان تشغله المُسوخ مهما تكن أصولها.
جامعة الإمارات
sunono@yahoo.com