يحرص الرئيس الفلسطيني محمود عباس على عدم استفزاز حكومة حماس ويحاول قدر الإمكان التوفيق بين تسيير الشؤون الداخلية والخارجية الفلسطينية وصلاحيات الحكومة المصابة بالشلل عمليا.
فقد أقدم على ضم المعابر الحدودية إلى صلاحياته وأرسل قوات حرس الرئاسة لإدارتها بدلا من الشرطة التابعة لوزير الداخلية بعد ان هدد المراقبون الأوروبيون على معبر رفح بالانسحاب إذا أشرفت حكومة حماس على المعبر.
. وضم أبو مازن أيضاً قوات الأمن إلى صلاحياته لتفادي اعتبارها قوات معادية من قبل إسرائيل التي أعلنت انها ستعتبر رجال الشرطة أعداء إذا كانوا تابعين للحكومة التي يتزعمها إسماعيل هنية.
وحتى اغلب الوزراء السابقين وجدوا أنفسهم مستشارين كل في مجاله في ديوان الرئاسة ليجد أبو مازن نفسه يدير حكومة موازية رغما عنه، وعبر أبو مازن مرارا عن أنه شرح كل خطواته هذه لرئيس الوزراء الذي انفجر غاضبا يوم الجمعة الماضية بعد تصاعد وتيرة تنازع الصلاحيات بينه وبين الرئاسة وتزايد الحصار الأميركي الأوروبي ـ الإسرائيلي لحكومته سياسيا واقتصاديا وماليا .
بحيث تعذر على الحكومة صرف رواتب 140 ألف موظف يشكلون عصب الحياة المعيشية الفلسطينية، إذ ان الأزمة الاقتصادية بدأت تلقي بضغوطها على الحكومة الجديدة بعد أسبوعين من تسلمها مهامها..
وحتى قرارات الجامعة العربية باستئناف دفع مساعدة مالية شهرية تقارب الخمسين مليون دولار شهريا لم يتم الوفاء بها حتى تاريخه ولهذا ظهر رقم الحساب سبع سبعات في احد بنوك مصر لجمع التبرعات للحكومة الفلسطينية.
وأدرك قادة حماس مبكرا ان ثمة مؤامرة منسقة لإفشال حكومتهم بسرعة ولهذا خرج الشيخ هنية عن هدوئه المعتاد في خطبة الجمعة بمخيم جباليا وأعلن ان إفشال الحكومة له عواقب وخيمة وانه ليس طرطورا في إشارة إلى نزع بعض صلاحيات حكومته.
هذه اللغة الحادة التي استخدمها هنية تعبر عن استيائه الداخلي وحركته من الحصار على حكومته ومن تنازع الصلاحيات بينه وبين الرئيس أبو مازن وتنازع الصلاحيات بين الوزراء وبعض وكلاء الوزارات والآخرين وهم من فتح. وكنت دعوت في مقال نشر الأسبوع الماضي في صحيفة الحياة الجديدة للمرة الثانية.
ونشر في البيان قبل أسابيع حركة حماس إلى التوافق مع الرئيس أبو مازن والاتفاق على برنامج موحد والطلب منه تشكيل حكومة برئاسته للالتفاف على المطالب الدولية لها بالاعتراف بإسرائيل .
ومنح الرئيس صلاحيات لتسيير السياسة الخارجية بينما تنهمك حماس في الشأن الداخلي وإصلاحه. ومبعث الدعوة هو الحرص على المصالح الوطنية الفلسطينية إذ ان ثمة تيارا في فتح يدفع باتجاه ترك حكومة حماس تغرق وحدها وتعلن فشلها وهذا التيار لا يرى سوى مصالحه الذاتية .
وليس المصالح الوطنية، لأن إسرائيل نفسها تدفع بهذا الاتجاه أيضاً لأنها تدرك ان إفشال حكومة حماس سيعيد الحركة إلى المعارضة والى استئناف العمل العسكري مع ما يحمله ذلك من اضطراب داخلي فلسطيني قد يصل درجة العرقنة.
وكما يقول مسؤول امني فلسطيني فإنه يرى ان ثمة أطرافاً عدة تستعد لخلط الأوراق على الساحة الفلسطينية بتنفيذ محاولة اغتيال ضد أبو مازن أو ضد هنية مثلا وهذا من شأنه إشعال الموقف داخليا ودفع الجميع إلى أتون حرب أهلية.
وعمليا فإن حكومة ايهود أولمرت المنتظرة تحبذ مثل هذا الوضع ولا تريد التزاما فلسطينيا بالهدنة لأن خطة الفصل الأحادية وهو في الواقع خطة ضم أغلب أراضي الضفة لا يمكن ان تتم في جو هادئ، بل تحت وقع الانفجارات الفدائية والقصف الإسرائيلي والادعاء بعدم وجود شريك فلسطيني مفاوض. حماس كما هدد قادتها ستتمسك بدورها الحكومي ومصممة على النجاح وعدم التنازل عن الحكومة.
حيث رد الشيخ هنية على دعوتنا بذلك في خطبة الجمعة فهو يعي ان إعلان فشل حكومته سيشوه هيبتها الانتخابية ويقلل من مصداقيتها.
وثمة تيار إسلامي واسع في الخارج وهو «الإخوان المسلمون» يراهن على إنجاح تجربة حماس في الحكومة باعتبار انها أول حكومة ينجح الإخوان في تشكيلها .
وإذا فشلوا هنا سيفشلون في أماكن أخرى ،لكن الشيخ هنية الذي استخدم العبارات نفسها التي استخدمناها في معرض تحذيرنا من إفشال حكومته مطالب مرة أخرى بالمصارحة مع الرئيس أبو مازن لإيجاد مخرج مشرف للأزمة.
صحيح ان حركة حماس أخرجت قرابة مائة مسيرة تأييد في يوم الجمعة الفائت أكبرها في غزة، ودعا هنية إلى أكل الزيت والزيتون والزعتر ،إلا ان هذا ليس حلا لمشاكل شعب بأكمله يعاني من الحصار اصلا واشتد عليه بطريقة مبرمجة ووحشية مؤخرا. فالكادر الوظيفي الرسمي مهما صبر وتقشف إلا انه لا يستطيع الصبر أكثر من شهرين على هذا الوضع.
ثم تبدأ الاضطرابات حيث كانت بوادرها باحتلال مكتب المجلس التشريعي في خانيونس من قبل رجال الشرطة الذين يطالبون برواتبهم. عمليا حكومة حماس وجدت نفسها بلا صلاحيات حقيقية سوى صلاحية توفير الرواتب وهي عبء ثقيل ،وليست امتيازا في ظل المقاطعة الاقتصادية الدولية..
والتقاعس العربي والدعم الإسلامي غير الملموس. فهل ينجح ثلاثة من وزراء حكومة هنية انتشروا في الدول العربية لحشد الدعم المالي ،أم يعودون مستندين إلى حساب السبع سبعات الذي لن تصل التبرعات فيه إلى سبعة أصفار مطلقا؟
رئيس تحرير «الحياة الجديدة» ـ فلسطين