ربما لم يحدث أن اجتمعت القمة العربية والأمة العربية تغرق في مشكلاتها من المحيط إلى الخليج كما يحدث الآن. كان الأمر يتعلق قبل ذلك بمشكلة في هذا الطرف العربي أو خلاف بين قطرين أو حتى كارثة بحجم هزيمة 67 أو غزو الكويت أو احتلال العراق، لكن الأمر الآن أشمل وأعمق، فلا يوجد قطر عربي بعيد عن دائرة الخطر.

ولا توجد دولة عربية تطمئن على المستقبل، ومع ذلك.. فها هي القمة العربية تلتئم ولا أحد يتوقع إنجازاً حقيقياً في مواجهة الوضع العربي الحافل بكل المخاطر.. فالشعوب العربية لا تأمل في الكثير.

والنظم العربية غاية مناها أن تمر القمة بهدوء، والأعداء من جانبهم مرتاحون.. إسرائيل ماضية في مخططاتها بدعم أميركي كامل وشامل، وأميركا من جانبها لم تعد في حاجة لأن ترسل سفراءها في العواصم العربية لممارسة الضغوط قبل القمة العربية كما تعودت في السنوات الأخيرة.

إن القمة العربية تلتئم والحرب الأهلية في العراق لم تعد مجرد أوهام كما كان يقال، بل أصبحت احتمالاً لا يمكن تجاهله، وتقسيم العراق أصبح واقعاً على الأرض، والجهود العربية لمحاصرة الأزمة وتحقيق المصالحة الوطنية بين الأطراف العراقية يجري تفجيرها عمداً. وفي الوقت الذي يلتقي فيه القادة العرب في الخرطوم، يوضح مستقبل العراق على مائدة البحث بين الولايات المتحدة وإيران.

ويثور السؤال هل يتحول العراق المنكوب من ساحة محتملة للصراع الأميركي ـ الإيراني إلى مدخل للمصالحة بين واشنطن وطهران يدفع فيها العرب وحدهم الثمن.. ليس فقط في العراق ولكن في مجمل المشرق العربي؟ وهل تنضم تركيا إلى هذا التفاهم لضمان مصالحها في شمال العراق؟

وهل يكون تحالف المصالح بين الأطراف الثلاثة هو المقدمة التي تبني عليها الولايات المتحدة الأميركية خطتها لسحب قواتها من العراق وفي الوقت نفسه تأسيس قاعدة لمشروعها نحو الشرق الأوسط الكبير الذي يحاصر العرب ويضع المنطقة في قبضة القوى الإقليمية غير العربية لتديرها لصالح الهيمنة الأميركية؟

وتنعقد القمة والأوضاع في فلسطين قد بلغت مرحلة حاسمة، وبغض النظر عن فوز حماس وآثاره، فإن الشيء الأساسي أن إسرائيل تنطلق من رؤية واضحة بأنها قد كسبت الحرب نهائياً وأن الظروف الداخلية في فلسطين والظروف العربية .

والدعم الأميركي والصمت الأوروبي تمنحها الفرصة لكي تترجم الآن ومن دون تأخير نتائج كسبها للحرب إلى وقائع على الأرض فتنتهي من تهويد القدس والاستيلاء على ما تريد من أراضي الضفة الغربية وفرض حدودها من جانب واحد.

وإنهاء أي احتمال لقيام دولة فلسطينية حقيقية على حدود 67، وإجبار العرب والعالم على اعتبار الحديث عن حق العودة مجرد أوهام ينبغي الخلاص منها وإلا أصبح أصحابها هدفاً مشروعا للحرب على «الإرهاب» !!

نعم.. سوف تحضر حماس القمة لأول مرة بجانب الرئيس الفلسطيني، وسوف تؤكد القمة على اعترافها بنتائج الانتخابات الديمقراطية التي جاءت بحماس للسلطة، كما ستعيد التأكيد على مبادرة بيروت العربية ولكن الحقائق ستكون أشد تعبيراً عن الواقع..

فالسلطة نفسها أصبحت محل تساؤل من الشعب الفلسطيني عن جدوى وجودها، والمبادرة العربية تستلزم لتفعيلها إرادة عربية مازالت غائبة.. وفي ظل هذا الغياب يصبح غاية المراد أن يتم توفير الخبز للشعب الفلسطيني الواقع تحت حصار القتل والتجويع!

وتنعقد القمة وسوريا تتعرض لأشد الضغوط الأميركية ـ الفرنسية، ولبنان في مهب الريح، وبارونات الحرب الذين ارتكبوا كل ما يمكن من جرائم في حق وطنهم هم الذين يفاوضون على مستقبل المقاومة الوطنية.

والجهود العربية التي حاولت المساعدة في الخروج من النفق المظلم التي يقاد لبنان إليه اصطدمت في البداية برفض الذين كانوا يراهنون على تدخل أميركي مباشر وسريع ويدعون واشنطن لتكرر مع سوريا ما فعلته في العراق (!!) ومع إدراك هؤلاء لخيبة رهاناتهم عادوا للتخندق في خنادقهم الطائفية.. لعل وعسى!

وتنعقد القمة والمشكلات الداخلية تحاصر الجميع.. ونسبة البطالة في العالم العربي تمثل خطراً يهدد العديد من الأنظمة، والأجيال الجديدة تحس بالاغتراب في ظل أنظمة لا تجدد دماءها.

وشبح الجوع يهدد دولاً فرقتها الحروب الأهلية والاستبداد رغم ما تملكه من إمكانيات هائلة تتيح لها ـ لو استثمرت ـ أن تنهض من كبوتها، وعلى الناحية الأخرى تضيع إمكانيات بشرية عربية أو تخرج من أوطانها لأن الإمكانيات المادية لا تتوفر، أو لأن الفساد يلتهمها.

وفي ظل كل ذلك مازالت العقبات توضع أمام إصلاح سياسي لم يعد ممكناً التهرب منه أو تأجيله حتى لو تراجعت الدعوات الأميركية بشأنه، فالإصلاح لم يكن يوما حاجة أميركية بل هو حاجة عربية خالصة.

ودخول الأميركان على الخط أساء لمسيرة الإصلاح ولم يخدمها، والكل كان يدرك أن ما تفعله أميركا لم يكن - ولن يكون - لوجه الله ولا لوجه الديمقراطية، وإنما هو ابتزاز من أجل الحصول على تنازلات من الحكومات العربية .. لا أكثر ولا أقل !

وربما لا يجسد الأمر شيء مثل انعقاد القمة في هذا التوقيت في الخرطوم بالذات، حيث يتجسد الوضع العربي في أشمل حالاته .. أوضاع اقتصادية متردية بحكم سنوات من النزيف الداخلي والحروب الأهلية.

وملايين هاجرت للداخل والخارج، ووطن يجري تقسيمه بأعصاب باردة، وخمسون عاماً من الاستقلال انتهت إلى هذه الأوضاع المأساوية، والعبث السياسي باسم الديمقراطية أضاع الديمقراطية، والصراع تحت راية الإسلام المفترى عليه أساء للإسلام والمسلمين، والنتيجة..

حروب أهلية من الشرق إلى الغرب، وجنوب يستعد للانفصال، وشمال يواجه المجهول وصراعات الاخوة الأعداء، وأحاديث عن جرائم حرب تمهد الطريق لقوات حلف الأطلسي لتضع قدمها هناك، بينما البعض يكتفي بإطلاق صيحات الجهاد!

مشهد يجسد الأزمة العربية الراهنة ويضعها كاملة بلا رتوش أمام القادة العرب وهم يجتمعون على أرض السودان، ولكنه يستدعي من الذاكرة مشهداً آخر لقمة أخرى شهدتها الخرطوم قبل ما يقرب من أربعين عاما.. ولكن ما أبعد المسافة وما أشد الاختلاف !

كان ذلك عقب الهزيمة المروعة عام 67. وكان التوافق على عقد القمة لمواجهة الموقف إنجاراً في حد ذاته، ومع ذلك فقد راهن الأعداء على أنه لم يعد أمام العرب إلا الاستسلام، واعتقد البعض أن الخلافات العربية التي كانت موجودة قبل الهزيمة ( خاصة في ظل حرب اليمن ) سوف تحكم المواقف وسوف تمنع أي خطوة إيجابية للتعامل مع الأزمة.

وكان البعض يمني نفسه بأن تكون القمة فرصة للتشفي في عبد الناصر بعد هزيمته، بل وكان البعض يتوقع ألا يذهب عبد الناصر بنفسه لحضور القمة خاصة في ظل الأوضاع بالغة السوء التي يواجهها.

لكن عبد الناصر ذهب وهو يحمل على كتفيه عبء الهزيمة الثقيل، ووصل الرجل إلى الخرطوم ليجد العاصمة كلها قد خرجت لاستقباله، وإذا بالملايين تحيط بموكبه من المطار إلى قلب العاصمة، وإذا بالقائد المهزوم يستقبل استقبال الفاتحين، وإذا بالشعب السوداني كله يتوحد على موقف واحد يقول للرجل وللعالم إن الاستسلام للهزيمة هو المستحيل.

وكان لابد أن ينتقل المشهد بعد ذلك من الشارع السوداني إلى قاعات الاجتماع، وأن تتحقق المصالحة بين عبد الناصر والعاهل السعودي الملك فيصل، وان تطوى صفحة الحرب الأهلية في اليمن.

وأن توضع أسس التعامل مع تداعيات الهزيمة والثأر منها، وأن يكون هناك موقف سياسي عربي موحد تمثل في لاءات الخرطوم الشهيرة، وأن تتوافر سبل الدعم المالي لمواجهة العدوان، وأن تتكامل الجهود بين دول المواجهة ودول المساندة.

وأن تبدأ المسيرة التي انتهت بحرب 73 التي جسدت التوافق العربي في أعظم صوره، وأطلقت الآمال في أن يتحول العرب إلى قوة فاعلة في العالم، قبل أن تبدأ مرحلة الانحسار التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه الآن.

قبل أربعين عاما كانت الهزيمة ساحقة، ولكن الأمة كانت تملك إرادتها، وتدرك أنها قادرة على تجاوز الأزمة.. الآن تجتمع القمة وسط أزمة شاملة ربما هي الأخطر منذ ذلك الوقت.

ومع ذلك فلا أحد يتوقع اختراقاً حقيقياً أو مواجهة حاسمة ليس لغياب الوعي بالأزمة، ولا لقلة الإمكانيات على المواجهة، ولكن لغياب الإرادة السياسية التي تتغلب على العجز وتقهر الشلل.

نقيب الصحافيين المصريين