الطروحات التي تطالعنا بها وسائل إعلامنا المحلية هذه الأيام والمتعلقة بالتشكيل الوزاري الجديد يشير معظمها إلى أن الإدارات الجديدة في وزارات الدولة تسعى إلى أداء متميز في هذه المرحلة سعيا منها إلى تقديم خدمات أفضل للمجتمع. كما يشير إلى أن تلك الإدارات تقوم بمراجعة الكثير من البرامج والخطط السابقة للمؤسسات التي استلمت قيادتها من أجل تقييمها، وذلك لتعزيز ايجابياتها والتخلص من سلبياتها.

وكل هذه العلامات تجعلنا نتفاءل خيرا، لأننا مدركون أن التقييم والمراجعة عمليتان مهمتان في مجال تطوير أداء المؤسسات، سواء أكانت تلك المؤسسات حكومية أم غير حكومية، لأن التقييم هو العملية التي يتم من خلالها التعرف على جوانب الضعف والقوة في أداء أية مؤسسة. وحين يكون التقييم في مجال الأداء الحكومي فإن لهذه المسألة بعداً مهماً جداً، لأن مؤسسات الحكومة هي غير المؤسسات الخاصة ولا تحكمها المعايير التي تحكم تلك المؤسسات.

أولا لأنها تعمل، أو هكذا يفترض، من منظور يضع مصلحة الوطن والمواطن، وليس أفراداً بعينهم، على أعلى درجة في سلم الأولويات.

والمصلحة الوطنية تقتضي بالدرجة الأولى أن يتجرد الشخص المكلف بأداء دور فيها من أي شيء متعلق بمصلحته الشخصية أو مصلحة جهة ما يمثلها أو طرف يتحيز إليه، إنما يجب أن يكون العمل والمصلحة العليا للوطن هما المعيار والمقياس لأداء الأفراد العاملين في هذه المجالات. وهذه هي الشعارات التي نرى أن الإدارات الجديدة ترفعها وتعبر عنها عبر قنواتنا الإعلامية. وهو الأمر الذي يدفعنا للتفاؤل، حتى وإن كنا مدركين أن الكثير من الأمور والقضايا التي يعيشها مجتمعنا بحاجة إلى تضافر الجهود وإلى إجراءات إصلاح حقيقية وجهود غير عادية حتى نستطيع القول اننا مجتمع يسعى إلى النهوض بأفراده واننا مدركون لواقعنا ولمشكلاتنا وقضايانا واننا نسعى إلى الأفضل.

واجب المجتمع في هذه المرحلة بالذات أن يكثف جهوده لمساندة البرامج التي تسعى في تعزيز وجوده وتوفير حياة كريمة له. وواجب المجتمع أيضا أن يتحمل المسؤولية في مساندة أو تقويم البرامج التي تقدم له، لأنه بدون أن يتحمل هذه المسؤولية لن يكون هناك أي اعتبار له بل سيبقى دوره هامشياً وأداؤه ليس بالمستوى المطلوب. فالمجتمع الذي يشترك في إدارة أمور حياته هو المجتمع الذي يستحق الاحترام، أما أن نبقى متلقين أو في بعض الأحيان متذمرين من نوعية الخدمات التي تقدم لنا فهذا لن يقودنا لشيء فيه مصلحتنا أو الخير لنا.

ولأن المشاركة في الحوار حول برامج وزرائنا الجدد خطوة أساسي نحو شعورنا بتحمل المسؤولية معهم، فإننا نتمنى دوما أن تبقى قنوات الحوار مفتوحة وأن يكون لدينا جميعا شعور بأن كل خير تصل إليه جهودهم هو خير للمجتمع، وبالمقابل فإن السلبيات التي ربما لا تكون مقصودة أو مدركة أحيانا إنما تعود أيضا على المجتمع كله، والمطلوب الاشتراك في العمل على التخلص منها والعمل على تقليلها. ولأننا تحدثنا في مقال الأسبوع الماضي عن بعض السلبيات التي تعاني منها وزارة التربية، وهي وزارة ذات أهمية مركزية في المجتمع، فقد أردت أن أواصل الطرح في هذا الموضوع وبالأخص التعليق على نقطة وردت في حديث لوزير التربية الجديد الدكتور حنيف حسن في حوار له بإحدى الجرائد المحلية، وهي نقطة قد سبق أيضا لوزير التربية السابق أن تحدث عنها، وهي تلك المتعلقة بالدعوة إلى التخلص من الأساليب القديمة أو غير الصحيحة في التعلم ومنها الحفظ، وإيجاد برامج تعليمية تعزز من قدرات الطلبة على الفهم والاستيعاب.

والدعوة بلا شك جيدة وتنم عن السعي نحو إيجاد آليات تعلم تعود بالنفع الأكبر على الطالب ومن ثم على المجتمع. غير أن هناك جزئية كلا الوزيرين أرى أنهما لم يضعاها بشكلها الصحيح، ألا وهي المتعلقة بموضوع الحفظ، أو الدعوة إلى تخليص الطالب من المواد التي تتطلب منه الحفظ، والتركيز على قدرات الفهم لديه. وعلى الرغم من أن موضوع الفهم هو الأساس في التعلم إلا انني أرى أنه جرى التعميم في قضية الحفظ ولم يكن هناك استيعاب صحيح لدورها في العملية التعليمية. فالحفظ في حد ذاته ليس به أية مشكلة، بل انه هو الذي يجعل الطالب قادراً على الاستيعاب. لأنه لو لم يقم الطالب بتخزين المعلومة التي استقبلها، أي لو لم يقم بعملية الحفظ، فإنه لن يكون بمقدوره أن يوظف ما تعلمه.

جانب أساسي من عملية التعلم ومن التجربة الإنسانية مرتبط بالذاكرة، أي الحفظ، حيث أن كل ما نستقبله يذهب إلى خلايانا العصبية التي تحوله في الدماغ إلى رزم من المعلومات. وبدون هذه المعلومات لن نستطيع الاستمرار في الحياة أو مواجهة أمورنا فيها. زيادة على ذلك، الطالب، وبخاصة في سنينه الأولى، يعتمد دماغه بشكل أساس على عملية الحفظ، إذ كيف على سبيل المثال توجد لديه محصلة لغوية أو أن يدرك أموراً في الرياضيات أو غيرها، دون أن يكون قد قام بحفظ المعلومات حول هذه المواد.

وحين قام وزير التربية السابق بإلغاء حفظ القصائد العربية من المناهج فإنه لم يدرك أن قراره الفردي هذا قد خدم عكس دعوته لأنه يؤدي إلى إضعاف درجة المخزون اللغوي لدى الطالب وبالتالي يحد من جوانب الإبداع لديه، مما يجعله أكثر عرضة إلى التوجه للنشاط التلقيني، وليس العكس. المشكلة إذن ليست في الحفظ، إذ هذا قول يتطلب المراجعة لأنه يتنافى علميا مع مفهوم التعلم ككل، المشكلة هي في نوع المواد التي ندفع بالطالب إلى تخزينها والعمل بها، وهذه هي الإشكالية الحقيقية في تعليمنا، فعسى أن تكون لنا استراتيجية في التعليم تجعلنا ننهض به بشكل حقيقي.

جامعة الإمارات