خيار السلام خيار استراتيجي شعار مرفوع منذ النصف الأول من التسعينات ظناً من البعض بأن الشروط اللازمة لتحقيق سلام منشود في منطقة الشرق الأوسط باتت ناضجة.
وبأن كل ما ينقصها لا يخرج عن اطار التعبير عن الرغبات والنوايا الحسنة، بيد أن التجربة السياسية الملموسة التي شهدها النزاع الفلسطيني العربي- الإسرائيلي منذ أن انعقد مؤتمر السلام العتيد في مدريد حتى الآن تثبت بصورة قاطعة أن رفع ذلك الشعار المسالم لم يكن سوى ضرب من الخيال، فلا الشروط باتت ناضجة.
ولا وجود أصلا لنوايا حسنة في المعادلة السياسية السائدة في المنطقة منذ أن انهارت الامبراطورية العثمانية في مطلع القرن الماضي وحلت مكانها في الشرق الأوسط القوى الغربية الاستعمارية التي جلبت معها مشروعها الصهيوني الذي أريد منه التخلص من يهود أوروبا بأي ثمن حتى على حساب أي من شعوب العالم الأخرى وهذا ما كان.
بات معرفا للقاصي والداني على السواء أن العقبة الكأداء أمام تطور عملية السلام في المنطقة تتمثل دائما بالرفض الاسرائيلي، النظري غالبا والعملي دائما، لكل ما يمكن التوصل إليه من اتفاقات وتفاهمات بين أطراف النزاع، إلى درجة أنه بات أمرا معتادا أن تأتي حكومة إسرائيلة جديدة.
وتقول إنها لا تعترف بكل ما توصلت إليها نظيرتها السابقة من اتفاقات مع الجانب العربي الفلسطيني ما يعني أن صفحة أو ربما صفحات جديدة من المفاوضات المتعثرة عادة لا بد من خوضها مجددا،غالبا ما يتخللها شلالات من الدم الفلسطيني النازف على يد الآلة الحربية الاسرائيلية.
علما بأن الحكومة الاسرائيلية والإدارة الأميركية وكل « الأمم الحرة» تطالب الحكومة الفلسطينية المقبلة بأن تلتزم بكل التعهدات التي قطعتها على نفسها الحكومة الفلسطينية المستقيلة.
هذا المشهد تحول إلى صورة نمطية متأصلة في النزاع الشرق أوسطي، في حين أنه عندما تتكرر حادثة ما، فانها تتحول بطبيعة الحال إلى ظاهرة قائمة بحد ذاتها، تتجسد الحالة موضع النقاش،في الرفض الإسرائيلي الثابت لجميع الحلول السلمية المطروحة.
والذي بات يشكل حالة من التعنت المطلق لا تنسجم لامن قريب أو بعيد وشعار خيار السلام الاستراتيجي العتيد، الذي يبدو، لا بل من المؤكد، أنه انهار وأن الدهر قد أكل عليه وشرب، مع أن البعض لا يزال يجتره صباح مساء في ظل غياب أي طرف آخر مستعد لقبول هذا الخيار.
إذا كان العرب يرفعون منذ زمن شعار أن ما يقبل به الفلسطينيون نقبل به نحن، فإن الشعب الفلسطيني قد إختار، بانتخاب حماس، خيار المقاومة والتخلي عن اتفاق أوسلو وتبعاته،ليس لأنه لا يرغب بالسلام وإنما جراء حالة اليأس التي أوصله إليها التعنت الإسرائيلي آنف الذكر.
وبالتالي فإن على الجميع احترام جوهر الخيار الفلسطيني، الذي رفع السقف السياسي للقضية الفلسطينية باتجاه ضرورة تغيير الطبيعة اللفظية لشعار خيار السلام الاستراتيجي الذي ثبت عقمه وصولا إلى ضرورة إيجاد صيغة عملية للتعامل مع وضع عملي يفيد بأن لغة القوة لم تنفك يوما عن كونها هي اللغة السائدة في منطقة لم تعرف غير تلك اللغة على مر العصور.
هذا الكلام ليس ضربا من الخيال، فكل التطورات الأخيرة تشير إلى بداية أفول أسطورة الكيان الصهيوني، بدءا من غياب أحد أهم الآباء المؤسسين مجسدا بشخصية شارون وصعود حركة حماس ودعوة الرئيس الروسي لممثليها لزيارة موسكو وما رافق ذلك من مواقف دولية مؤيدة لهذه الزيارة على غرار الموقفين الفرنسي والتركي .
ومرورا بالموقف الايراني المصر على المضي قدما في الملف النووي والداعي إلى إعادة النظر بكل «مسلمات» خرافة الحركة الصهيونية وليس انتهاء بالصحوة الذي يشهدها الشارع الاسلامي إثر نشر الصور المسيئة للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ناهيك عن التراجع الكبير والملحوظ الذي يشهده المشروع الأميركي في العراق وفي غير مكان من العالم.
BASSIL@ALBAYAN.AE