لم يعلن رسمياً بعد عن انتهاء حقبة أحد عتاة الاحتلال الإسرائيلي وأسوأهم سمعة آرييل شارون حتى يتنفس الفلسطينيون، ومن خلفهم العرب، رسمياً الصعداء بانتهاء أجل ذلك الطاغوت السياسي والعنصري الغاية في التطرف والإرهاب.
حل محله من هو أكثر قسوة وتطرفاً في الدين والسياسة والعنصرية ألا وهو إيهود أولمرت والذي تحاط معظم أعماله الأمنية وإنشائه للمستعمرات، خاصة في منطقة القدس والأغوار، بقليل من الضجة الإعلامية.
في عهد رئيس الوزراء الجديد هذا شرعت إسرائيل بإجراءات أحادية الجانب، تهدف فقط إلى خدمة التطلعات والطموحات الإسرائيلية، منها تنفيذ بناء جدار أمني على الحدود الشرقية للضفة الغربية المحاذية لنهر الأردن.
هذا ليس جداراً بالمعنى المعروف للكلمة، هذا الجدار يحصر بين ضلوعه أثناء وبعد إنشائه مساحة من الأراضي الزراعية المروية من مياه نهر الأردن تعادل ثلث المساحة الجغرافية للدولة الفلسطينية المأمولة تقريباً .
وتشكل سلة الغذاء الرئيسية لسكان الضفة الغربية. كذلك يحرم الجدار الجديد الفلسطينيين من المطالبة بحقوقهم المائية في نهر الأردن الذي يروي تلك المساحات التي يقتطعها الجدار الأمني؛ بذلك تضرب إسرائيل وكالعادة عدداً من العصافير والطيور في المنطقة بحجر واحد.
على المدى القريب والبعيد سيحول هذا الإجراء وغيره الفلسطينيين هناك إلى عمالة جاهلة سوداء قادمة من المدن والقرى الفلسطينية، المعزولة عن بعضها بجدر وأسيجة أمنية من مختلف المقاييس والأحجام، في مزارع يستولي عليها المزارعون الإسرائيليون ممن تستوعبهم المستعمرات المقامة الآن وفيما بعد.
تقوم إسرائيل بمثل تلك الإجراءات التي تعد بمثابة عدوان عسكري واقتصادي واجتماعي ونفسي ومعنوي، استفزازي، صارخ لكل مما سبق لأنها تدرك تماماً أن الطرف الآخر ليست لديه القوة للرد المناسب لا عسكرياً ولا سياسياً ولا اقتصادياً.
بهذا الصدد تواصل بعض دول المنطقة نزع أسلحتها وإقناع الآخرين بالتخلص من سلاحها مقابل وعود بإقامة سلام دائم لا يحتاجون فيه لامتلاك سلاح مهما كانت قيمته متواضعة. مع ذلك تدعي إسرائيل بأن تولي حركة حماس جزءاً من السلطة الفلسطينية الضعيفة أصلاً يشكل تهديداً أمنياً لها.
هذا المبرر يجعلها، حسب مفهومها، تلجأ لكافة الطرق بزعم الحفاظ على أمنها والتي من ضمنها المغالاة في إقامة الجدران العازلة بغض النظر عن طبيعة تلك الجدران العنصرية ومساحة الأراضي الزراعية التي تقضمها أو تدمرها أو تصادرها، أو الكوارث السياسية الناجمة عنها عند الطرف الآخر وخاصة الفلسطيني.
الطريق إلى مجلس الأمن الدولي لتقديم شكوى ضد الاستمرار في تشييد الجدران الأمنية المدمِّرة في عمق الأراضي الفلسطينية، العنصرية منها والأمنية والعازلة، مغلق أمام الفلسطينيين بسبب مطرقة أو ذراع الفيتو «حق النقض» الأميركي.
حسب الرؤية الأميركية فإن أي إدانة لإسرائيل في تصرفاتها المهينة لن تساهم في تقوية الجهود المبذولة للاستمرار في عملية السلام المبنية على اتفاق أوسلو الموقع في واشنطن عام 1994 وخارطة الطريق الأميركية المنبثقة عنه فيما بعد. استخدمت الإدارة الأميركية حق النقض من قبل لمنع إدانة بناء الجدار الأمني غرب الضفة الغربية في أكتوبر 2003 .
والذي ضرب بشكل غاية في الهمجية عدداً كبيراً من المدن والقرى الفلسطينية، وعلى رأسها القدس الشريف، حين اخترق الجدار المنطقة وبشكل لولبي ومتعرج مخلفا على جنبيه ضواحي سكنية ومساحات شاسعة من الأراضي الزراعية الفلسطينية المدمرة.
تاريخياً وواقعياً، منذ إنشاء دولة إسرائيل في فلسطين وظاهرة الجدران الآمنة والسياجات العازلة منتشرة في المنطقة داخل وحول إسرائيل، أفراداً وجماعات ومؤسسات عسكرية ومدنية.
خلال عشرات السنين الماضية تطورت ظاهرة الجدران العازلة أو الأمنية لتتحول إلى خلق مناطق شاسعة جداً منزوعة السلاح بين إسرائيل والدول المجاورة؛ ذلك حصل عقب توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام 1979.
حيث تمنع الاتفاقية دخول قوات مصرية معتبرة القوة إلى شبه جزيرة سيناء شرق قناة السويس. وفي جنوب لبنان أقامت إسرائيل شريطاً أمنياً أقامت فيه دويلة سعد حداد-أنطوان لحد وصرفت عليها أموالا طائلة في التسليح والتمويل والتموين.
وبعد التطبيق الكامل لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1559 الصادر عقب اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق المرحوم رفيق الحريري من المتوقع أن يصبح لبنان بأكمله منطقة أمنية عازلة حسب المنظور الإسرائيلي، وعلى غرار شبه جزيرة سيناء.
على الحدود الشرقية لإسرائيل تضمنت اتفاقية وادي عربة المعقودة مع الحكومة الأردنية عام 1994 بنداً ينص على عدم السماح لقوات عربية معادية لإسرائيل بالدخول إلى الأردن، حيث بذلك انتقلت الحدود الآمنة إلى الحدود الأردنية مع الدول العربية الأخرى المجاورة لها.
وبعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 ضمنت إسرائيل تدمير وحياد دولة عربية أخرى كان يحسب حسابها في الماضي، ولتنتقل الحدود الآمنة للدولة العبرية إلى الحدود العراقية ـ الإيرانية.
حالياً تجري التحضيرات على قدم وساق لنقل الحدود الآمنة لإسرائيل إلى تخوم الأراضي الباكستانية المحاذية لإيران خاصة بعد نشوب أزمة الطاقة النووية الإيرانية مع الدول الغربية وتصريحات الرئيس الإيراني أحمدي نجاد بشأن ضحايا المحرقة النازية في أوروبا.
الخلاصة أنه نتيجة لمحاولات إنجاح نظرية الأمن الإسرائيلية هنالك دول فقدت وتفقد جزءاً كبيراً من أراضيها وأخرى فقدت جزءاً لا يستهان به من استقلالها وسيادتها الوطنية وسياستها الخارجية وأخرى تعرضت للدمار والاحتلال والحروب الأهلية وثمة أخرى يمكن أن تتعرض لتغيير واقع الحكم فيها وبشكل دراماتيكي.
أخيراً، وعودة إلى الجدار الأمني الإسرائيلي في غور الأردن فإنه لا يخفى على مطلع أو غافل أن مثل تلك الإجراءات ما هي إلا مكونات أساسية لما يمكن أن يطلق عليه لدى الأجيال القادمة المحرقة أو حرب الإبادة الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني منزوع السلاح في الداخل والخارج.
جامعة الإمارات