الاعتدال خصلة محمودة في كل شيء، ولا يكاد يختلف اثنان على أهمية الاعتدال والتوسط في مختلف جوانب الحياة السلوكية والفكرية والدينية والتربوية والعاطفية، وكذلك السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. إلخ.

ويظفر المتأمل في تراثنا العربي الإسلامي تحبيذًا لفكرة الاعتدال والتوسط، ونفورًا وتنفيرًا ضمنيًا من فكرة التطرف والمغالاة، إذ تمتلئ جعبته بنصوص قرآنية، وأحاديث شريفة، وأقوال مأثورة تؤكد أهمية التوسط والاعتدال، وتقدمه بوصفه الوضع الطبيعي والأمثل لضمان الاستقرار السلوكي والنفسي والاجتماعي للفرد والمجتمع.

مع الإشارة إلى أن هذا المفهوم نسبي وغير ثابت، بل إنه يجب ألا يكون ثابتًا بحسب رأي د. تركي الحمد في أحد مقالاته بعنوان (وهم الوسطية)، لأن ما يعدّ وسطًا ضمن بعديْ زمان ومكان معينييْن، لا يُشترَط أن يكون كذلك إذا اختلف هذان البعدان.

ولعلنا جميعًا نحفظ قول الله ـ عز وجل ـ: (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا)، وقول الرسول - صلى الله عليه وسلم ـ: (خير الأمور أوسطها)، منذ كنّا على مقاعد الدراسة الابتدائية، ولكن حفظ الكثيرين منّا لم يتفتق عن فهم وإدراك عميقين للمعنى المنطوي تحت هذه الكلمات؛ فمن السهل حفظ الكلمات الثلاث الواردة في حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مثلاً، لكن فهم معناها بدقة ليس سهلا كما يبدو.

وإن كان سهلاً في الإدراك عقليًا، فإنه لا شك صعب في التطبيق فعليًا، وإلا لما شاهدنا ميلاً نحو أحد الطرفين في كثير من الأمور حولنا، وبعدًا عن الوسط الذي كان موضع عناية الشعراء العرب القدامى وتغزلهم، إذ يميلون دائمًا إلى (واسطة العقد) مثلاً، ويرون لها من المزايا ما لا يرونه لغيرها مما يتخذ مكانًا على أحد جانبيْها.

يأتي هذا الكلام في سياق ما نجد عند بعض (المتطرفين) إن صحّ التعبير، ولا أقصد به هنا التطرف الديني أو السياسي فقط، وإن كان مشمولاً في الحديث، ولكني أقصد التطرف في كل شيء، في عواطفنا، وطريقة تربيتنا لأبنائنا، وطريقة التعبير عن أفكارنا وآرائنا، واهتمامنا أو حماسنا لشخص أو لظاهرة ما، وغير ذلك.

إن هذه الجوانب معتمة، تقبع في منطقة الظل من اهتمامات معظمنا، وتحتاج إلى تسليط الضوء عليها، وكشف مواطن الخلل فيها لتجاوزها، وتفادي سلبياتها على الفرد والمجتمع معًا.

وسأحاول من خلال هذه المقالة التركيز على واحد من الجوانب التي نمارس فيها تطرفًا قد يكون مؤذيًا وضارًّا بالفرد والمجتمع دون وعي بذلك، ودون أن نفطن إلى أثره على المدى الطويل.

وهو طريقة تربية الأبناء، إذ يغلب على كثير من الآباء البعد عن الاعتدال في طريقة تربيتهم لأبنائهم وأسلوب تعاملهم معهم، رغم أهمية هذا الأمر وانعكاسه على علاقات أفراد الأسرة فيما بينهم أولا، ثم على طبيعة سلوك الفرد داخل المجتمع الذي ينتمي إليه.

ومن خلال بعض المواقف لاحظتُ أن أسلوب أولياء الأمور مع أبنائهم يتخذ مستويين، أحدهما يميل إلى الاعتدال والموازنة في التعامل معهم، وفي توجيههم، وفي طريقة تلبية رغباتهم ـ وهو خارج نطاق مقالتنا هاته ـ، والآخر فيه قدر من «التطرف»، إن صحّ التعبير، ويمكن القول إنه يتخذ مستوييْن أيضًا:

أحدهما يحكِّم العقل فقط، فتأتي طريقة تعامل الوالدين مع الأبناء متسمة بشيء من القسوة (على الأقل في نظر الأبناء)، والشدة، وأحيانًا الحرمان، والسبب توخي مصلحة الأبناء، والحرص على إبعادهم عن أي مفسد قد يدخل عليهم من باب التدليل.

ويحكّم المستوى الآخر القلب فقط، فتأتي طريقة تعامل الوالدين مع الأبناء رخوة، شديدة المرونة، لدرجة تفقد معها علاقة الأبناء بوالديْهم صورتها المعهودة المؤطرة بإطار من الحب والهيبة.

وتصبح رغبات الأبناء هي الموجه الأول في طريقة تربيتهم، فما أرادوه حصل، وما رغبوا عنه ألغي، والسبب هنا هو الحرص على إسعادهم وعدم تكديرهم بأي شيء، حتى إن كان على حساب مصلحتهم ومستقبلهم.

ويكون من نتائج تحكيم العقل عند الفريق الأول حرمان الأبناء من كثير من متع الحياة التي يمكن أن ينالوا نصيبهم منها بإشراف الوالدين، بل إنهم يحرَمون أحيانًا من بعض حقوقهم الأساسية:

كالخروج إلى الحدائق والمتنزهات والمراكز التجارية، وزيارة الأصدقاء. في الوقت الذي يترتب على تحكيم القلب فقط عند الفريق الثاني التساهل مع الأبناء في بعض الأمور:

كالسماح لهم بالخروج مع أصدقائهم دون إشراف، أو منحهم ما يطلبون من مبالغ مالية دون سؤالهم عن أوجه صرفها، كما قد يتسامحون معهم فيما قد يضرهم مستقبلاً، كالموافقة على ترك مقاعد الدراسة إما لأنهم قادرون على توفير فرص عمل لهم دون شهادة، أو لأنهم أساسًا في غنى عن الشهادة والوظيفة التي ستأتي بواسطتها.

وقد يصل بهم التساهل إلى القبول بما يمثل خطرًا على حياتهم وحياة الآخرين كالسماح لهم بقيادة السيارات وهم دون السن القانونية.. وغير ذلك إن كلتا الطريقتين تجانبان الصواب.

ولا يصح أن يُرَبّى الأبناء بالاستجابة إلى منطق العقل فقط، ولا إلى منطق القلب فقط؛ فالأول من شأنه أن ينشئ أفرادًا أجلافًا وقساة، يقصون العاطفة من سلوكهم تمامًا، ويعتقدون أنها معطل من معطلات تنفيذ أي أمر أو إتقانه. أما الثاني فإنه سينشئ أفرادًا يفتقدون إلى ركيزة أساسية من ركائز بنية الفرد، وهي الاحتكام إلى العقل في تدبير ما دقّ من الأمور وما عظم.

وختامًا أؤكد أن كلامي هذا لا يعني عدم وجود أولياء أمور معتدلين في مجتمعنا، يحكّمون العقل والقلب معًا في تربية أبنائهم، ويعرفون كيف يمسكون العصا من وسطها في تعاملهم معهم، فلا إفراط ولا تفريط، ولكن هذه الحالات ـ كما أسلفت ـ تمثل وضعًا طبيعيًا يجعلها أساسًا خارج نطاق هذه المقالة التي تهدف إلى لفت النظر إلى ما هو غير طبيعي، دون تعميم.

sunono@yahoo.com

جامعة الإمارات