الإصلاح هو التغيير باتجاه التقدم، وهو نقيض للفساد. لكن هذا المصطلح شأنه شأن المصطلحات الأخرى التي تظهر بين الحين والآخر لتصبح عنواناً لبرنامج، أو موضة لجماعة أو دولة في وقت يشتد فيه الضغط ضد الفساد، وليس الإصرار على طرح مثل هذه المصطلحات دليلاً على الرغبة الحقيقية في الإصلاح فلربما كثير من أولئك الذين يروجون لهذا المصطلح يريدون امتصاص الرغبة في الإصلاح، أو انحناء لعاصفة داخلية وخارجية تنادي بالإصلاح لدوافع وأسباب عديدة ليس المجال هنا لمناقشتها.
لقد شاع في فترة من الفترات مصطلح «المصلحة العامة» وأصبح الكل ينادي بالعمل من أجل المصلحة العامة، وأحياناً تجد مثلاً الحكومة والمعارضة في بلدان معينة كلاهما يقول بأنه يعمل من أجل المصلحة العامة لكن لكل منهما مفهومه، ومن ثم أجندته تجاه مثل هذا المصطلح، وكذلك الحال بالنسبة لمصطلح الإصلاح.
فإذا اتفقنا بأن الإصلاح نقيض للفساد وهو الكفيل بالقضاء عليه وإن دولنا تريد الإصلاح فذلك يعني إقرارها بالفساد، اذن من هو المسؤول عن استشراء الفساد بمفهومه الواسع وبخاصة الإداري والمالي، وهل من المعقول أن يقوم بالإصلاح من كان سبباً في الفساد؟!
أحياناً يمارس البعض الفساد تحت ظل أو يافطة الإصلاح لأن مصالحهم الذاتية تتطلب هذا النوع من السلوك. والفساد عندما يصبح ظاهرة في مجتمع ما علينا أن نبحث في أسبابه فمعظمه يتم بوعي من الأفراد أو الجماعات التي تمارسه، ويلجأ البعض إلى تقنينه وبرمجته ورسم الخطط لتنفيذه على أكثر من صعيد وفي أكثر من مجال فكثير من المفسدين يديرون فسادهم الإداري والمالي على سبيل المثال بوعي وذكاء وتخطيط، ولنتصور لو أن أولئك قد اتجهوا عكس ذلك الاتجاه إلى الإصلاح فماذا ستكون النتيجة؟ هي بكل تأكيد لصالح الناس في حاضرهم ومستقبلهم ولجنبوا أنفسهم وشعوبهم الكثير من الهدر والاشكاليات والآلام.
وقضية الإصلاح التي يكثر الحديث عنها اليوم ليست مسألة الساعة أو عصرنا، وهذا المصطلح لم ينحت من قبلنا أو لنا ولكن يشيع في هذا الوقت شأنه شأن المصطلحات الأخرى مثل: العولمة، والخصخصة والإرهاب الخ.. إن هذه المصطلحات وجدت مع الإنسان وتطورت معه، تظهر وتختفي حسب الظروف في مراحل الانحطاط أو التطور للشعوب. وقد شهد التاريخ عبر عصوره المختلفة مثل تلك المصطلحات التي تحمل مفاهيم تحمل إشكاليات وقضايا وهموم الإنسان في هذا المكان أو ذاك في هذا الزمن أو ذاك، وفي تاريخنا الحديث والمعاصر في العالم العربي حمل محمد علي والي مصر لواء الإصلاح في النصف الأول من القرن التاسع عشر على سبيل المثال، كما حمل قادة آخرون بعد ذلك هذا المصطلح أو الشعار وحملته قوى دينية وسياسية وأسمت نفسها الجماعات الإصلاحية أو الحركات الإصلاحية لكن ليس بالضرورة أنها فعلاً إصلاحية أو قد يراها الآخرون بأنها ليست كذلك.
واليوم نشهد نداءات ومطالبات بالإصلاح في مجتمعاتنا بيد أنها لا تجد الاستجابة الحقيقية مما جعل القوى الخارجية تتدخل لتفرض نوعاً من الإصلاح، وهي بذلك تريد تحقيق أهدافها ومصالحها في هذه المناطق في هذا الوقت، وقد ترى في الإصلاح عكس ما تنادي به اليوم أو قد رأت عكس ذلك في الماضي بيد أنها اليوم انتظرت إصلاحاً يجنب مصالحها الأخطار فلم يتحقق لذا تلجأ إلى النصح أولاً، وعندما لم تجد الاستجابة أو محاولة الالتفاف على الإصلاح المنشود تصعد من لغتها ونهجها لتقول إذا لم تغيروا فستغيروا، ومن هنا تلعب السياسة لعبتها فيصبح صديق الأمس عدواً، وعدو الأمس صديقاً ونسمي ذلك عملاً في سبيل الإصلاح، فقد كان بن لادن صديقاً للولايات المتحدة في الثمانينات في أفغانستان واليوم عدواً لها وهكذا. ومن يقتلون الأبرياء أو يساعدون على ذلك يسمون أنفسهم بالإصلاحيين.
وهناك سياسات (إصلاحية) أكثر فساداً من السياسات الفاسدة أو لا تختلف عنها ومن هنا نستطيع أن نفهم واقعنا وسر عدم تطورنا الحقيقي، وفي الآونة الأخيرة هبت علينا دعوات الإصلاح، وأثيرت تساؤلات هل الإصلاح من الداخل أم الخارج؟ والبعض يعتقد بأنه يبدأ بإصلاح التعليم والبعض الآخر يرى ضرورة وجود حركة تنوير تتولى الدعوة والتثقيف للإصلاح، وآخرون يقولون إن الإصلاح السياسي هو مفتاح الإصلاح، وفريق يرى أن لا فائدة من هذه المحاولات ما دام الذين يرفعون شعار الإصلاح، وفريق يرى أن لا فائدة من هذه المحاولات ما دام الذين يرفعون شعار الإصلاح هم أعداؤه. وعقدنا المؤتمرات والندوات للحوار حول الموضوع، وصدرت مشروعات للإصلاح بدءاً من إعلان برشلونة، ومروراً بمشروع الشرق الأوسط الكبير، وانتهاء بوثيقة الإسكندرية للإصلاح وبين هذه المشروعات مشاريع أخرى عديدة، ولتحقيق الإصلاح المنشود يعتقد البعض بأنها مسؤولية الحكومات وآخرون يعتقدون بأنها مسؤولية المجتمع المدني وقوى الضغط المجتمعية، وآخرون يرون أن الإصلاح في عالمنا العربي لا يتحقق إلا بالضغط الخارجي.
ثلاثة أمور مهمة يجب أن نضعها في اعتبارنا ونحن نتحدث عن الإصلاح.
أولاً: تشريح وتفكيك مؤسسة الفساد القائمة، واعتبارها عدوة الإصلاح، ثم البدء بمحاربتها.
ثانياً: إطلاق الحريات العامة في دولنا وتحقيق الديمقراطية.
ثالثاً: البدء بالإصلاح السياسي، وجعله محور الإصلاح الشامل. بدون هذه الخطوات الأساسية لن يتحقق الإصلاح، وسيجير هذا المصطلح أو يشوهه، أو يحرفه أو يفرغه من محتواه الحقيقي من يرى فيه خطراً عن مصالحه. ولابد من فهم عميق لمفهوم ومضمون الإصلاح فهو ليس ترميماً لأخطاء أو لتجربة تعترضها معوقات هامشية، هو قضية محورية وأساسية في مسيرتنا نحو التطور والتقدم عندها يجب القول بأنه لا إصلاح دون مصلحين حقيقيين ولا مصلحين قادرين على القيام بدورهم دون الحرية والديمقراطية.
وعودة لسؤال يتكرر لماذا الإصلاح، وإصلاح ماذا؟ إن تعدد الرؤى في مسألة الإصلاح في عالمنا العربي دليل على الاضطراب الفكري، وعدم وجود رؤية واضحة لما نريد، وغياب الإستراتيجية على مستوى دولنا وشعوبنا فالجماعات الدينية وجمعياتها (الإصلاحية) ترى أن المسألة هي إصلاح الأخلاق ومحاربة الفساد الأخلاقي، وأن العمل التطوعي الخيري جزء أساسي من الإصلاح، وأسلمه القوانين والتشريعات هي طريق الإصلاح، والتيار الليبرالي يرى بأن الحريات والديمقراطية، والدور الأساسي للمجتمع المدني هو طريق الإصلاح، والحكومات ترى أن ترميم أوضاعها، وإعطاء هامشا للمشاركة الشعبية وحقوق المرأة، ورفع مستوى معيشة قطاعات مجتمعية هو طريق الإصلاح، لكن هذه الدعوات والمحاولات والمشاريع هي جهد نظري ومسكنات لا تجدي ولا تحقق الإصلاح المنشود على أرض الواقع.
علينا أن نفهم أن عملية الترميم والترقيع لا تجدي، وعملية التبشير بالتنظير رغم أهميته لا تجدي، وإصلاح مجال دون آخر كذلك لا يجدي ان الإصلاح السياسي يفتح الباب على مراعيه للإصلاح في كل المجالات وتجارب العالم من حولنا من اليابان إلى ماليزيا إلى غيرها من الدول تؤكد ذلك، لكن ما هو الإصلاح السياسي المطلوب؟ هذا موضوع واسع لكننا يمكن نجمله بعد نقاط أساسية:
أولاً: تحقيق دولة القانون والدستور عن طريق الانتخاب الحر المباشر، وبمشاركة شعبية حقيقية.
ثانيا: إطلاق الحريات العامة، وتحقيق الديمقراطية بإرادة شعبية.
ثالثا: الإيمان بالتعددية، وتدوير السلطة، وتطبيق ذلك فعليا.
رابعا: محاربة الفساد وأي محاولة لتخريب مسيرة الإصلاح مهما كان مصدرها.
خامسا: أخذ المبادرة في الإصلاح، وعدم تركها للزمن، والاستفادة القصوى من الفرص التاريخية التي توفر الإمكانيات المتاحة.
ويبقى سؤالنا، ألم يتحقق لمجتمعاتنا في بعض الأحيان إصلاح حقيقي فلماذا أجهض وعدنا إلى نقطة البداية؟ ألم يتبوأ المراكز القيادية في بلداننا مصلحون فلماذا لم يتمكنوا من تحقيق الإصلاح الحقيقي؟ وستكون الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها بداية المسيرة نحو الإصلاح الحقيقي.
جامعة الكويت