الجهود الأميركية لحمل إيران على تفكيك برنامجها النووي وصلت أخيراً إلى طريق مسدود. فالولايات المتحدة استنفدت فيما يبدو من تهديدات دون أن تنجح في ترعيب طهران.وعلى هذا النحو، فإن الصمود الإيراني يقدم إلى العالم الثالث تجربة نموذجية في المهارة الدبلوماسية.وفقاً للمسؤولين الإيرانيين، فإن البرنامج النووي مصمم لأغراض سلمية ـ تحديداً مضاعفة إنتاج التوليد الكهربائي ـ لكن إدارة بوش تشكك في أن الاستخدام السلمي ليس سوى خطوة تمهيدية تمويهية لتصنيع قنابل نووية في وقت ما في المستقبل المرئي.

وربما تكون شكوك إدارة بوش في محلها. ولكن مما يضعف من مصداقية الموقف الأميركي أن الولايات المتحدة ظلت تلتزم السكوت المريب تجاه البرنامج النووي الإسرائيلي الذي يشتمل على ترسانة من نحو 300 قذيفة نووية ـ عدا سكوتها عن القوة النووية التي تملكها الهند.

وسواء صح الإصرار الإيراني بأن البرنامج النووي الإيراني سلمي فعلاً أو لم يصح، فإن الخطر النووي الإسرائيلي يعطي إيران حقاً مشروعاً في تملك رادع نووي إذا أخذنا في الاعتبار أن الهدف الأعظم من بناء البرنامج النووي الإسرائيلي هو ضمان تفوق إسرائيل كقوة عظمى إقليمية تهيمن على العالم الإسلامي بأسره.

من هنا، كانت الحملة الأميركية الضارية على إيران. لكن الحملة ووجهت بحملة دبلوماسية مضادة استغلت فيها القيادة الإيرانية ما لديها من نقاط قوة وما لدى واشنطن من نقاط ضعف إلى أقصى حد عن طريق تحرك دبلوماسي مثير للإعجاب. أولى نقاط القوة الإيرانية تتمثل في سلاح النفط، والاستغلال الإيراني لهذه النقطة تمثل في أمرين:

أولاً: تهديد مبطن بوقف إنتاج النفط الخام الإيراني لأمد معين مما يحرم السوق النفطي من أربعة ملايين برميل يومياً، فتنشأ على الفور أزمة عالمية تدفع أسعار النفط ـ المتصاعدة أصلاً ـ إلى مستوى مئة دولار للبرميل أو ما يزيد على ذلك.

ثانياً: استقطاب الدعم الصيني في المعركة الدبلوماسية بإبرام اتفاقات عدة مع بكين تضمن للصين إمدادات من النفط والغاز الإيرانيين خلال السنوات المقبلة بما يقابل 12 في المئة من الاحتياجات الصينية من الطاقة المستوردة.

تلك كانت ضربة استباقية ضد الولايات المتحدة لتخذيل واشنطن عن رفع قضية البرنامج النووي الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي، والطلب من المجلس فرض عقوبات اقتصادية على إيران. ففي هذه الحالة يكون بوسع طهران الاعتماد على الفيتو الصيني. وعلى الصعيد السياسي، لوّحت طهران لواشنطن بأنه في حالة تصعيد الحملة الأميركية فإن إيران سوف تستثمر ما لديها من سيطرة نافذة في كل من العراق وأفغانستان ضد الوجود العسكري الأميركي المتزعزع أصلاً.

وهكذا تراجعت إدارة بوش بعد أن اكتشفت أن خياراتها كافة قادتها إلى طريق مسدود. قبل بضعة أعوام أطلق جورج بوش على العراق وإيران وكوريا الشمالية مجتمعة نعت «محور الشر». ووفقاً لأجندة بوش كان الهدف من غزو أفغانستان في عام 2001، ثم العراق في عام 2003 أن يكون رادعاً لكل من إيران وكوريا الشمالية.والآن ترى الدولتان كما يرى العالم كيف ورطت الولايات المتحدة نفسها في المستنقعين الأفغاني والعراقي، وكيف نسف الزمن أجندة بوش.

أحمد عمرابي