الثلاثاء 19 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 20 مايو 2003 لنتفق اولاً بأن لدينا مشكلة سكانية متفاقمة مظاهرها واضحة، وملموسة، ومدرجة ضمن احصائيات وارقام وتقارير رسمية وصحفية، أبسطها، واكثرها حدة وايلاماً النسبة العددية للمواطنين بشكل عام قياساً بعدد السكان الاجمالي للدولة، ولنتفق ثانيا على ان هذه المشكلة قد تراكمت عبر سنوات من عمر التنمية والبناء في ظل افتقارنا للايدي القادرة والمؤهلة، ما نتج عنه مع التقادم سيطرة الوافدين والاجانب تحديداً على سوق العمل حتى صارت نسبتهم بلا حسد 99% بحسب احصاءات هيئة تنمية الموارد البشرية!! وكلنا يعرف بأن سوق الامارات مفتوح على الفرص، ومفتوح للجميع في ظل قوانين ساهمت في ترهل الحالة وخاصة بالنسبة لاستيراد العمالة من حيث اعدادها ومستوياتها العلمية والتدريبية، ما نتج عنه فلتان حقيقي قاد الى ظاهرتين كلتيهما خطير: ظاهرة بيع وتأجير الرخص كنشاط طفيلي اتكالي لا يشكل أي اضافة حقيقية للمواطن سوى مردود التأشيرات المادي، وللناتج الاجمالي للبلد. اما الظاهرة الثانية فهي ظاهرة المؤسسات والمنشآت الوهمية التي يتم بناء عليها استقدام مجاميع من العمالة الهامشية والمتدنية والتي تأتي الينا دون ان يكون لها عمل محدد يستوعبها وبالتالي تضيف الى المشكلة السكانية بعداً آخر بوجود اعداد غفيره من العاطلين تنعكس آثارهم السلبية بوضوح على البناء الاقتصادي والأمني والاجتماعي للبلد. المشكلة السكانية في جزء كبير منها نحن من خلقها وتسبب فيها وعلينا نحن معالجتها بكافة الوسائل لأننا نحن المتضررون اولاً واخيراً، فالمواطن الذي يبيع التأشيرات، والذي يمنح الوافد التوكيل المطلق ليتصرف باسمه أمام المؤسسات المالية والقضائية، والمواطن الذي لا يملك في سجله رخصة واحدة تثبتها عليه المؤسسات الاقتصادية، الجميع في سفينة واحدة، اذا نجت وصلنا جميعنا الى بر الامان، واذا غرقت بفعل تصرفات حمقاء من اشخاص لا يمتلكون حس المواطنة الصحيحة والمسئولية، غرقنا جميعاً! هنالك اجراءات وقوانين ومحاولات جادة للبحث عن مخرج وللحد من تفاقم دخول العمالة غير الضرورية، وعلى المواطن ان يتعاون مع اجهزة مجتمعه لتفعيلها وتحويلها الى قانون يطبقه على نفسه ويلح في تطبيقه على الآخرين، بدلا من الانغماس الى ما لا نهاية في حالة مرضية تحول الوطن فيها الى غنيمة حرب والكل يتسابق الى اخذ نصيبه منها، هذه الثقافة المريضة يجب ان يتم محاربتها على كافة المستويات لتستبدل بثقافة المواطنة الحقيقية التي تنظر الى الوطن باعتباره بيت الجميع وامانة الكل وعلى الكل ان يحافظ عليه ويكون رصيده وأمنه وحارسه الشخصي وليس المستفيد الأول والمتبريء الأول والمدافع الاخير!! قوانين الحد من استقدام العمالة مثل: ارتفاع تكلفة استقدام العمالة الوافدة، وقرار الضمان المصرفي، وقرار الثانوية العامة كحد ادنى لجلب العمالة وغيرها من القوانين ستساهم بلا شك في الحد من تدفق المزيد من العمالة الهامشية التي تتحول مع الايام الى قنابل موقوتة وعاهات في جسد الوطن. والاعلام بجميع قنواته مطالب بفتح هذا الملف، وتحميل المواطن عبء الدفاع عن وطنه بالتخلص من ثقافة الاعتماد على ريع التأشيرات التي حولت الكثير من الناس الى مجرد طابور من العاطلين بانتظار قيمة تأجير التأشيرة او بيعها، كما حولتهم للاسف في نظر الأمم الاخرى الى مجرد اشخاص مستفيدين من وطنهم ببيعه للآخرين دون ان يحاولوا بذل الجهد في سبيل عمل يرفع شأنهم وشأن وطنهم، فالاوطان لا تبنيها التأشيرات وانما يبنيها ابناؤها بالشكل الصحيح. الشباب اليوم هم رصيد الوطن وهم أمنه الداخلي، ولابد من الوقوف الى جانبه وعلى أعلى المستويات فهل هناك مشروعات على أرض الواقع تدفع بهؤلاء نحو بناء انفسهم بشكل صحيح وبناء وطنهم كما يجب فيحققون معادلة الطموح الشخصي والمواطنة الحقيقية؟ نعم توجد مثل هذه المشاريع، لكن الطموح الى المزيد لا يقف عند حد .. وغدا نكمل.