الثلاثاء 5 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 6 مايو 2003 المكان: جنوب مدينة الاسماعيلية، منطقة صحراوية اسمها أبو سلطان الزمان: الثلاثون من يونيو عام سبعين من القرن الماضي خلال تلك الأيام التي أصبحت ماضيا الآن، كأنه يمت الى عصر آخر، كانت حرب الاستنزاف قد بلغت حدا متصاعدا بين مصر واسرائيل، وعلى امتداد قناة السويس تصاعدت العمليات العسكرية، وتركز الصراع بين سلاح الجو الاسرائيلي وقوات الدفاع الجوي المصري، كانت جهودنا في اتجاه بناء قواعد الصواريخ المضادة للطائرات، وكانت محاولات العدو منع اقامة تلك القواعد التي تهدد سيادته الجوية على سماء المنطقة، بذل مهندسونا جهودا جبارة، واستخدموا أسلوب الخرسانة سابقة التجهيز، أذكر عربات النقل التي كانت تشق زحام القاهرة، فوقها أعمدة خرسانية على شكل مربع ينقص ضلعا، وكأنه الحرف الهيروغليفي القديم المعبر عن الفرعون برعو أي البيت الكبير، الذين لا يعرفون كانوا يتطلعون الى تلك العربات وحمولاتها بلا مبالاة، ولأنني كنت أعلم ماذا يعني ما أراه، كنت أنظر وأصمت وأدعو الله أن يوفق ويحمي، وبالطبع لم أتناول الأمر لا من قريب أو من بعيد مع أقرب الأصدقاء، خلال تلك الأيام ظهرت في سماء الجبهة، طائرات الفانتوم ـ 4، وسكاي هوك أميركية الصنع، وكانت تقصف أي مكان يتم رصد أي علامة به تشير الى أنه سيكون قاعدة للصواريخ، كانت الاعمدة سابقة التجهيز تصل الى الجبهة ولا يقتضي الأمر الا تركيبها في الموقع، وتعامل الطيران الاسرائيلي بقسوة ووحشية مع هذا الواقع، واستهدف بالتحديد عمال البناء الصعايدة الذين أستشهد منهم أعداد كبيرة في مواقع العمل أو بالقرب منها، ولا أنسى ليلة رهيبة، قصفت الطائرات أعدادا منهم بالقنابل الانشطارية، وبراميل النابالم (كما كانوا هم يسمونها). في الثلاثين من يونيو وصلت الى مدينة الاسماعيلية التي تم تهجير أهلها منها، اتجهت مع زميلي المصور مكرم جاد الكريم الى مكتب المخابرات الحربية لنسلم التصريح بزيارة الجبهة ومن هناك ننطلق الى الجهة التي طلبنا زيارتها، وكان طلب الجهة وتحديدها يتم وفقا لتطور الاحداث، أو لطبيعة الموضوع الذي نطلب اعداده، على سبيل المثال اذا تمت عملية عبور الى الضفة الشرقية في منطقة معينة فإننا نطلب تصريحا بالسفر الى تلك المنطقة، وأحيانا كنا نطلب اعداد تحقيق عن المدفعية المضادة للطائرات، فيتم توجيهنا الى قطاع معين، وفي ظروف أخرى كانت ادارة الشئون العامة التي تتولى التنسيق بين الصحفيين والقوات المسلحة تتصل بنا للانتقال الى منطقة بعينها لتغطية عملية وقعت وتقرر ابرازها اعلاميا، كان السفر والتصريح به يتم من خلال احدى مجموعات ادارة المخابرات الحربية، وهذه المجموعة مسئولة عن الاعلام بكافة أنواعه. في هذا اليوم كان الجو حارا وكان لقاؤنا بالضابط الذي نعرفه لكثرة ترددنا عليه وديا، انسانيا، قال انه سيوجهنا الى موقع سنجد مفاجأة فيه، من خلال تجربتي في العمل كمراسل حربي، فإن الاجراءات الادارية تخف حدتها كلما ابتعدنا عن القاهرة والمراكز الكبرى، وعبر عام ونصف من التردد المنتظم نشأت بيننا وبين ضباط وجنود علاقات انسانية عميقة، عندما يعيش الانسان على الخط الفاصل بين الحياة والموت، تحت الخطر اللحظي فإن الألوان لا تتداخل، الاسود هو الاسود، والأبيض أبيض. لا مجال للرمادي، الحب حب والنفور نفور، الشجاع يبدو، ومن جبل على الجبن لا يمكنه تصنع الثبات، لحظة الخطر أو القرب منها تجلو حقيقة الانسان، تضعه أيضا أمام ذاته عاريا، مجردا، هكذا تنمو من خلال المعايشة مصداقية علاقات فريدة، ثرية، عميقة، بعضها مستمر معي حتى الآن رغم تقاعدي من عملي كمراسل حربي عام أربعة وسبعين. من موقع متقدم، قريب من الماء، أي قريب من قناة السويس اتجهنا الى الصحراء، وهناك فوجئنا بحطام طائرة فانتوم، كانت كتلة كبرى منها في الوسط والذيل على مقربة مطروح أرضا عليه نجمة داوود، أما بقية الحطام فتناثر على مساحة شاسعة، كان بعض جنودنا يتجولون وسط الحطام،حذرنا بعضهم من ذخيرة لم تنفجر بعد، من بين الحطام التقطت قطعتين صندوق أسود صغير تطل منه أسلاك عديدة ملونة يمكن حملة باليد ومازلت أحتفظ به وخوذة طيار أهديتها الى المرحوم موسى صبري، بقدر ما كانت أشلاء الحطام مثيرة للتأمل، بقدر ما كانت مثيرة للفضول أيضا، كانت طائرة الفانتوم قد انضمت الى سلاح الجو الاسرائيلي وسط ضجة اعلامية كبرى، خاصة بعد مشاركتها في حرب فيتنام، كانت طائرة حديثه جدا، كمقاتلة قاذفة اعتراضية، يقودها طاقم من اثنين، مازلت أذكر اسقاط احداها بواسطة طائرة ميج 21 معركة جوية فوق العين السخنة، كان ذلك في ديسمبر عام تسعة وستين، لم يكن الحطام الذي رأيناه الا واحداً من بين عدة طائرات تم اسقاطها ذلك اليوم الذي أعتبر فيما بعد عيدا للدفاع الجوي المصري يتم الاحتفال به سنويا حتى الآن. انهمك زميلي المصور مكرم جاد الكريم في التقاط الصور، تحدثت الى الجنود، ثم غادرنا الموقع، وقبل المغيب بدأنا نستعد للعودة الى القاهرة، كنت ملما بكيفية اسقاط الطائرات، لقد كان التساؤل في وسائل الاعلام العالمية مع بدء تساقط الفانتوم والسكاي هوك، هل نجحت مصر في بناء شبكة الدفاع الجوي المصري؟، كيف تم اسقاط هذه الطائرات؟ عدت الى القاهرة لأكتب ما عاينته، كنت بشكل عام أركز على الوصف، ومزج التقارير العسكرية باللقاءات الانسانية، بعد الكتابة يتم عرض الموضوع على الرقابة العسكرية التابعة لنفس المجموعة المكلفة بالاشراف على الاعلام في المخابرات الحربية، وكنت أقوم بهذا العمل أيضا، أحمل تجارب الطبع المبللة، كانت الطباعة تتم وقتئذ بالليونيتب، أي تشكيل الأحرف من الرصاص المصور، لم تكن أجهزة الحواسب الآلية قد دخلت الخدمة بعد، يتم تسليم الموضوع سواء كان خبرا أو مقالا ليراجع بواسطة المخابرات الحربية، ولا يمكن نشره الا بعد ختمه بختم الأمن وتوقيع الضابط المسئول، وهذا هو نوع الرقابة الوحيد الذي اعتبرته مشروعا طوال عملي المهني أو اشتغالي بالكتابة، أما أنواع الرقابة الأخرى فتدخل في مستويات متعددة من حرية التعبير! كنت مع زميلي مكرم جاد الكريم فقط من انفردا بنشر التحقيق المصور صباح اليوم التالي في جريدة (الاخبار). وكان موسى صبري رحمه الله أستاذا بحق من أساتذة المهنة، فقد اعتمد العنوان الذي كتبته عنوانا رئيسيا للجريدة، باللون الأحمر، وكان يكتب بالخط «انتهت أسطورة الفانتوم». ويتصدر الصفحة الأولى صورة على أربعة أعمدة لجندى مصري يضع قدمه فوق ذيل الطائرة أي فوق نجمة داوود، في الأيام التي تلت حرب اكتوبر كنت أول من كتب عن عبد العاطي ورفاقه من أكله الدبابات، كان الأمر مثيرا، جندي مشاه يدمر ستا وعشرين دبابة بصواريخ (فهد) أو (المالوتكا) طبقا لاسمها الروسي الأصلي. كان ذلك حدثا في العلم العسكري، وقام موسى صبري ـ رحمه الله ـ بنشر صورة عبد العاطي ورفاقه كعنوان رئيسي للأخبار، جرأة وابتكار في نفس الوقت. أرجع الى الثلاثين من يونيو. بعد أن حصلت على موافقة الرقابة العسكرية، وبعد أن صدرت الطبعة الأولى من الجريدة، وعد التحقيق المنشور سبقا صحفيا أو خبطة للأخبار، خاصة أننا كنا نواجه منافسة قوية من الاهرام الذي كان يتولى الشئون العسكرية فيه الزميل عبده مباشر، وكان على علاقة وثيقة بالقيادات العليا للقوات المسلحة، خاصة الفريق محمد أحمد صادق ـ وقتئذ ـ رحمه الله، والذي تولى منصب مدير المخابرات الحربية، ثم رئيس الاركان. فيما بعد أصبح وزيرا للحربية مع حركة مايو عام واحد وسبعين. كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، كنت أشعر بحيوية رغم أنني لم أنم منذ حوالي عشرين ساعة، لقد بدأنا السفر فجرا، أذكر تلك الأيام الآن وأعجب، رغم كل ما بذلناه من جهد، أحيانا كنا نمضي ثلاثة أو أربعة أيام في الجبهة لا نعرف النوم، ومع ذلك كنت أفيض بحيوية داخلية، ولعل تلك السنوات أكثر وأغزر فترات حياتي بالنسبة للابداع الأدبي رغم كثافة عملي الصحفي. من أين كنت أستمد هذه الحيوية؟ من السن، اذ كان عمري وقتئذ قد تجاوز العشرين بسنوات قليلة، أم أنه الحماس الذي يفجر من الانسان طاقات لا حدود لها؟ أذكر تلك الليلة وكأنها بالامس، كان ثالثنا، كبير مصوري أخبار اليوم أحمد يوسف ـ رحمه الله ـ سألني كل منهما: كيف أسقطت هذه الطائرات؟.. ولم اقل لهما ما علمت في الجبهة، لم أذكر الا ما كتبته، طبعا مع اختلاف طريقة الحكي والرواية، لم تكن القوات المسلحة قد أعلنت عن وسيلة اسقاط هذه الطائرات، وما لم تعلنه القوات المسلحة لا يمكن أن أذكره لأقرب المقربين، حتى لو كان الأمر يتعلق برئيس التحرير الذي أعمل مع الفريق الذي يرأسه، جرى العرف الصحفي على كتابة بعض الاخبار ليس بهدف النشر، انما للعلم، لعلم المسئول عن الصحيفة، لكن اذا تعلق الامر بالقوات المسلحة فانني لا أنطق الا الشائع المعروف. الامر هنا يتعلق بضمير مهني من نوع خاص لذلك أصمت على كثير حتى الآن، وسيمضي الى الأبد معي رغم انقضاء الظروف وتحول الفترة الى تاريخ بعيد. فيما بعد التقيت بالصديق، الزميل عبد الملك خليل مدير مكتب الاهرام في موسكو أخبرني أن جريدة الاخبار كانت على مائدة المفاوضات بين جمال عبد الناصر وليونيد بريجينف كانت الزيارة الأخيرة للرئيس عبد الناصر الى موسكو، وكان الهدف منها الحصول على أسلحة أحدث، خاصة للدفاع الجوي، وكان خبر اسقاط طائرات الفانتوم الذي يتناقله العالم دليلا على اتقان المصريين للسلاح السوفييتي، واستخدامه بأفضل الطرق الممكنة، وكانت الصور الواردة من الجبهة، المنشورة في الأخبار دليلا حيا وصادقا. فيما بعد وقف اطلاق النار عام سبعين، وقبل حرب أكتوبر، التقيت بقائد كتيبة الدفاع الجوي الذي أسقط هذه الطائرة بالتحديد. وروى لي ما لم أكن أعرفه وقتئذ، وقد نشرت ما ذكره لي في الاخبار. كان قائد الكتيبة برتبة مقدم. استدعى الى القاهرة للقاء خاص مع بعض زملائه مع القائد الاعلى للقوات المسلحة، جمال عبد الناصر، بحضور قائد الدفاع الجوي الفريق محمد علي فهمي ـ رحمه الله ـ واللواء أحمد سلامة غنيم أحد الافذاذ الذين التقيت بهم، وكان قائدا للفرقة الثانية المكلفة بالدفاع عن جبهة القتال، كان رجلا أسطوريا بكل معنى الكلمة. كان المطلوب القيام بعمليات خاصة استشهادية، باختصار دخول كتائب الصواريخ الى الجبهة على المكشوف ـ بدون قواعد خرسانية ـ ونصب الصواريخ في كمائن لاسقاط الطائرات المغيرة. فإذا علمنا أن كتيبة الصواريخ تتكون من عدد ناقلات يتجاوز الثلاثين لنا أن نتخيل حجم وخطورة المهمة. في هذا اللقاء، قبل الرجال المهمة، وتعاهدوا مع القائد على أدائها، وقاموا بها على أتم وجه، وكانت النتيجة بدء تساقط طائرات سلاح الجو الاسرائيلي كأوراق الشجر في الخريف وهذا ما رأيته بأم عيني.