الاثنين 21 محرم 1424 هـ الموافق 24 مارس 2003 اسلوب الكذب الدعائي غير مقبول في الحرب لكن ان تلجأ حكومة الى شن حرب كبرى بناء على مبررات ملفقة بنسبة مئة في المئة، فان الحرب في هذه الحالة تكون جريمة جنائية. تحت عنوان «أكاذيب وحقائق حول الحرب» قال البروفيسور روبرت جنسن استاذ الصحافة في جامعة تكساس (في مدينة اوستن) في مقالة في «نيويورك تايمز» ما يلي: هذه الحرب ليست نتيجة لفشل الدبلوماسية. وهي ليست حربا وقائية. ولا علاقة لها بأسلحة الدمار الشامل. ولا علاقة لها بمكافحة الارهاب. ولا علاقة لها بتحرير الشعب العراقي. هذا الاكاديمي الاميركي الكبير يتصدى اذن لقائمة «الاسباب» التي سردها الرئيس بوش ورددها وزير الدفاع رامسفيلد.. وكررها بعدهما الجنرال تومي فرانكس المكلف بادارة الحرب الاميركية على العراق من اجل تبرير شن هذه الحرب ومن نقطة الى نقطة يفند البروفيسور جنسن بنود هذه القائمة واحدا تلو الآخر بذهنية اكاديمي عريق لم يسمح لضميره بالتلوث كما سنرى. ان الدول تلجأ الى الدبلوماسية يقول البروفيسور من اجل تجنب الاضطرار الى شن حرب اما الآن فيما يتعلق بالمسألة العراقية فان ادارة بوش فعلت العكس تماما فقد كان جهدها ينحصر في تسخير الدبلوماسية من اجل خلق حالة حرب، متفادية التفاوض مع العراق بل وفي الحقيقة فانه عندما اخذ العراق يقدم تنازلا بعد تنازل ـ مع اتضاح ان الترسانة العراقية المتواضعة بات من الممكن العثور عليها وتفكيكها اذا سمح لعمليات التفتيش بالاستمرار اصبحت المحاولات الاميركية للضغط على دول اخرى لتأييد الحرب مكشوفة ومفضوحة وعدوانية ورغم ان هذه المحاولات فشلت الى حد كبير الا ان الثابت ان القصد منها لم يكن منع الحرب. هل هي حرب وقائية كما تدعي ادارة بوش؟ يقول البروفيسور جنسن: من اجل استباق تهديد حربي يجب ان يكون هناك سبب ذو مصداقية بأن هذا التهديد موجود فعلا وانه لن يكون بوسع استراتيجيات اخرى التصدي له، ان التهديد يتكون من عنصرين: قدرة ونية، وفي هذه الحالة لم تستطع ادارة بوش ان تثبت ان العراق لديه القدرة ولم تبذل اي محاولة لاثبات ان لديه نية للهجوم. اما فيما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل فانه بمرور الوقت اصبحت اكاذيب ادارة بوش وانصاف حقائقها وتشويهاتها مثار استهزاء بشكل متزايد فما بين حكايات ارعابية عن «مركبة هوائية بدون طيار» اتضح لاحقا انها اشبه بطائرة شراعية بدائية الى وثائق مزورة تدعي ان العراق كان يحاول شراء يورانيوم من النيجر لم يصمد اي ادعاء. والادعاءات بشأن مختبرات بيولوجية متنقلة دحضها مفتشو الاسلحة بمثل ما دحضوا ادعاءات اخرى بأن العراق يملك او على وشك ان يملك اسلحة نووية. اتهام العراق برعاية «الارهاب» هو ايضا احد بنود قائمة الاكاذيب التي ألفتها ولفقتها ادارة بوش لتبرير الحرب العدوانية. يقول الاكاديمي الاميركي روبرت جنسن: ان هذا الادعاء هو الاسخف بين كل الادعاءات الاخرى فأقصى ما استطاعت ادارة بوش ان تقدم في هذا الصدد هو الاشارة الى متشدد يحمل الجنسية الاردنية يدعي ابو مصعب الزرقاوي العضو في منظمة «انصار الاسلام» ويضيف الاستاذ: ان ارتباط هذه المنظمة بتنظيم «القاعدة» او بالحكومة العراقية لا يقوم عليه اي دليل حتى الآن، وقد استخلص تقرير للاستخبارات البريطانية انه لا توجد علاقة على الاطلاق بين العراق و«القاعدة». بقي ادعاء «تحرير الشعب العراقي». يقول البروفيسور ان ادارة بوش ليس لديها اي اهتمام بديمقراطية حقيقية في العراق، ان ما تريده في الحقيقة هو انقلاب عسكري موال لواشنطن وفي هذا السياق يضيف الاستاذ جنسن ان ادارة بوش قامت منذ احداث سبتمبر بتمويل محاولة انقلابية في فنزويلا ونصبت نظاما مواليا لها في افغانستان وشنت حملة على الضمانات الاساسية للديمقراطية داخل الولايات المتحدة نفسها و«لذا سيكون من قبيل السخرية ان تكون ادارة بوش مهتمة بالديمقراطية للعراقيين لكن ليس للاميركيين»! اذن ما هو الهدف الحقيقي من الحرب على العراق؟ يقول البروفيسور جنسن: انها اولا عدوان مع سبق الاصرار وبهذه الصفة فهي جزء من محاولة لوضع الاحتياطات النفطية الضخمة للعالم العربي والاسلامي تحت سيطرة اميركية أقوى وأوسع، انها الخطوة العملاقة الاولى لاقامة امبراطورية اميركية جديدة. انها ايضا جزء من محاولة على المدى الطويل للتمكين اكثر من اي وقت مضى سيادة القوة في العلاقات الدولية وكنس اي دور للقانون الدولي او المؤسسات الدولية. هذه الحرب يقول البروفيسور جنسن لم تبدأ فجر الخميس 20 مارس 2003، لقد بدأت منذ حرب الخليج في عام 1991. واذا كان العراق هو البداية فانه لن يكون النهاية فهناك دول اخرى على القائمة.