السبت 7 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 8 فبراير 2003 بين حزّ الرقاب أو جزّ النواصي، تقف المنطقة العربية منساقة ومساقة إلى كرنفال هيولي لا دور لها فيه سوى انها الكبش الذي ستقدمه الامبراطورية الأميركية على طاولة ضيوفها الغربيين والشرقيين، هذه هي الصورة التي تشكل وجه الشرق الأوسط بكل ضجيجه وقعقعة السلاح والغبار المثار حوله وفيه، والتي تأخذ أشكالاً مختلفة تزم قضية هنا وتفرد أخرى هناك. منذ كم من الأعوام أدركنا أننا كنا حملاناً للذبح، وسكتنا، حتى مع الثورات التي انطلقت من هنا وهناك في قرن مضى، كنا حملاناً أتيحت لها فسحة من الوقت للتنفس وفق معايير استراتيجية امبريالية، رأينا وجهها الصهيوني والنازي والشيوعي والرأسمالي، ورضينا البقاء تحت التلال نرعى للدول ذات السيادة مصالحها لدينا. كانت ميزتنا الفُضلى أن لدينا ماءً ونفطاً، وأننا نجثم على مداخل ومخارج العالم وأن دماءنا بلا ثمن، لكن مياهنا مملوكة للجوار، وأرضنا مملوكة للاستراتيجيات الغربية، والنفط ليس للشرب، وحدها الدماء أرقت الاستراتيجيات الغربية، ليس من منطق الأخلاق أو مبادئ حقوق الإنسان ولكن من منطق نظريات الرأي العام والشرعية الدولية التي لم تعد شرعية اليوم. مثار هذا التداعي الفكري، قعقعة السلاح التي تستعد لعاصفة جديدة، وحركة السياسات التي تتخبط مناكبها بمراكبها، فأعداء ومستعمرو الأمس الذين رزحنا تحتهم قرناً أو أكثر من الزمان يعرضون أنفسهم على طاولات القمم، ثنائية وخماسية وسباعية وعربية وأممية، حمائم سلام بأظلاف صقور وأنياب ذئب، ومن التطبيل لسلام على أسنة الرماح حتى تهديد بحرب تأتي على أخضرنا المتبقي، تتنوع الطروحات السياسية مع تزايد قرع طبول القبائل التي سيتفرق دمنا عليها، استعداداً لحفل الشواء القادم. لم يعد الاستعمار يتخفى بوجه مستكشف أو محرر أو مستثمر أو مبشر، بل أخذ اللفظ معنى أوضح تدرج بين انعطافة العقد التسعيني ودفة الألف الثالث، من حماية منابع النفط إلى حرب على الإرهاب حتى صار في أوجّه غزواً واحتلالاً عسكرياً لم يخف رغبته بالسيطرة على حقول النفط العراقية والخليجية والقزوينية، وإن بتنويعات شتى. هذا الانتقال الأيديولوجي عكس اضطراب السلوك السياسي الأميركي المصاب بالشيزوفرينيا منذ الحرب الأهلية الأميركية، مثلما عكس تآكل المصالح الأميركية التي انبثقت معها أزمة العدو لدى الشخصية الأميركية، وقد أشر الدارسون والباحثون في سلوك ونهج الشخصية الأميركية انعدام التوازن في الاستراتيجية الأميركية هذا وفقدانها وجهة مصالحها بعد أن فقدت أعداء الحرب الباردة ولم يعد لديها أعداء توجه نفسها نسبة إليهم. وربما ذلك ما رآه نيكسون فنصح الراغب بوطن يضمن للمرء مستقبلاً مستقراً أن يختار استراليا، ولم يضع أميركا أو أوروبا أو آسيا كخيار، فهذه القارات تشكل سياساتها ارتدادات للهزات السياسية الأميركية، بل هي توابع زلزالية إن صح التعبير، ولذلك نجد أن السياسة الأميركية وضعت معادلة «التفوق العسكري الأميركي بتضحية أوروبية وأموال عربية وأسواق آسيوية لحماية مبادئ العالم الحر». وسقطنا نحن في دوامة اللاتوازن هذه وأصيبت أيديولوجياتنا كعرب وكمسلمين بالشيزوفرينيا الأميركية، فقد عكست السنون الأخيرة تخبطاً سياسياً لم يحقق في أفضل أحواله انحساراً، سوى خطاب سياسي فارغ من كل فحوى أو استراتيجية، وجنود مؤجلين، واقتصاد لا يعرف بوصلته، وصولاً إلى حالة الانحناء للذبح وليس لتمر العاصفة، وصرنا بالتالي نبحث عن وهم العدو حتى في جلودنا. لقد بنينا سياساتنا دائماً على قلاع من الرمال وأسسنا مستقبلنا على قواعد انتظار أن تسقط الدول الجبارة، من منطلق العُرف الأسطوري، فقد كان أخيل بطلاً لكن عقبه كان مقتله، وكان شمشون جباراً لكن شعره كان دماره، وكانت روما امبراطورية ولكن قوتها كانت سبب سقوطها، وامبراطورية تنبني على القوة المنفردة ستسقط حتماً ولذا لا بُدَّ من البقاء في أسفل التل نرعى مصالح الدول السيادية ولا بأس من تقديم القرابين، ولكننا نسينا أن الأسطورة تستمر طالما وجدت لها حوادث مرورية تتكرر في الأجواء المتشابهة، ولهذا خلقت الصهيونية دائماً صورة للابتزاز ووضعت أميركا دائماً صورة للعدو تراوحت بين نازي وشيوعي، وحاولت الاثنتان خلق ظروف لاستمرار الأسطورة ليس آخرها أحداث 11 سبتمبر. تاريخ القيادات الأميركية يُظهر ذلك بوضوح، إذ نجد دائماً قضية لإشعال حرب خارجية، وتنبني دائماً على زيف التوثيق والتحقيق وصوت الإعلام العالي الذي لا يخرج أبداً عن أجندة السياسة، روزفلت احتاج قصة ليضرب اليابان، وكنيدي احتاج قصة لخليج الخنازير، ونيكسون احتاج فرية ليبدأ حرب الاستنزاف الفيتنامية وليضرب كوريا، ريغان احتاج قصة ليطلق برنامجه «حرب النجوم» وليوقع أخطر اتفاق استراتيجي مع إسرائيل، وبوش الأب احتاج خطأ استراتيجياً لتقلع عاصفة الصحراء، وبوش الابن احتاج سبباً ليجتاح الشرق برمته، وها هو يصنعه من كلمات زائفة لا دليل عليها. شخصية الأميركي الذي يمتطي حصانه وبيده حبل للاصطياد لم تغادر الذهن العربي لكن بالمقابل فإن صورة العربي الخاضع والخائف والمُطارد بل والمطرود ما زالت لا تغادر الحسابات الأميركية، ولذا وجدنا تنطعاً تركياً يُقدم للعرب أوراق حلول منقوصة ومشبوهة، وأوراقاً أوروبية ملونة بين رفض مشروط وقبول مؤجل وانقياد أعمى، وسبابة أميركية ترسم في سمائنا «الصدمة والرعب»، ولم نكن يوماً أصحاب حلول بل كنا أطرافاً تُطوى مع ملفات القضايا، ومع كل هذه الملفات والأوراق لم تكن هناك أبداً ورقة توت واحدة على الأقل. مع هذه الصورة المختصرة والفسيفسائية لأيديولوجيا الصراع الذي يتمحور حول وفي الأرض العربية، يصبح السؤال حول نشوب الحرب أم عدم نشوبها، في العراق أو في المنطقة كلها، نووية أم تقليدية، سؤالاً ساذجاً، حتى مع امتلاك العديد من الدول العربية لعُدة الحرب والقتال والتي لا أدري لماذا أصبنا بجذامها، فالحملان لا تحتاج أظلافاً أو أسناناً بل تحتاج جلداً للسلخ ورقبة للذبح. الصورة التي ترسم اليوم للعالم حولنا والعالم داخلنا هي الصورة نفسها التي كانت منذ اكتشفنا من نحن، فما زالت لدينا مياه لا نملك منابعها، وأرض مملوكة لاستراتيجيات غربية وغريبة، ودماء لا ثمن لها، وما زال لدينا نفطا لا نشربه، ولكننا نحترق به. lahib@albayan.co.ae