الاثنين 19 شوال 1423 هـ الموافق 23 ديسمبر 2002 الادارة الاميركية في واشنطن رصدت ردات فعل الشارع العربي ومثقفي الصحف تجاه تحركاتها العسكرية العلنية لضرب العراق منذ شهور عديدة، وتجاه ضغطها على مجلس الأمن واستصدار القرار 1441، وتجاه عودة المفتشين الدوليين، وتجاه اللهجة الحادة جدا بشأن ضرب العراق، وأخيرا تجاه مبادرة الشراكة مع الشرق الاوسط، ومن هذا الرصد الذي قامت به اداراتها الخاصة وسفاراتها في مختلف دول الشرق الاوسط خرجت بنتيجة مطمئنة خلاصتها ان الناس في العالم العربي لا تزيد ردة فعلهم عن اي استفزاز او اعتداء على اكثر من اعمدة ومقالات ناريّة في الصحف، او مظاهرت حاشدة تحرق فيها اعلام الولايات المتحدة و«اسرائيل»، وترفع فيها صور بعض الرؤساء وعلى رأسهم صدام حسين، وتبح حناجر المتظاهرين بعبارات معروفة مثل: الموت لأميركا ـ وبوش هو الارهابي الاول. وهي نتيجة صحيحة لا تجنٍ فيها على الاطلاق، فقد وصل المواطن العربي في اغلب البلدان ـ ربما تشذ مصر عن القاعدة ـ الى حالة من التشبع والتبلد جعله لا يتحرك الا بعد حدوث زلزال من الاحداث والفجائع، وغالبا ما يأتي تحركه عشوائيا تحكمه العاطفة والاندفاع والتأثر الآني بالحدث، ولذلك فإن الفتور وتراخي الهمة، سرعان ما يصيبان الناس، فتخمد حدة الاندفاع وينسى الناس الحدث الذي حركهم، فيركنون الى اعمالهم وهدوء عيشهم حتى اشعار آخر، او حدث آخر اكثر مأساوية دون ان يكون لتحركهم السابق او اللاحق اي أثر أو نتائج على صانع أو متخذ القرار على المستوى السياسي الرسمي. إن صانع القرار حينما يسمح للناس بتنظيم مظاهرة تحرسها قوات الشرطة والأمن وفق شروط ومسارات معينة محددة ومتفق عليها بين المتظاهرين ومسئولي الأمن، فإنما يفعل ذلك لتنفيس غضب الناس واخراج شحنات الاحتقان التي بداخلهم حتى لا تتحول الى ظواهر أخرى أشد خطورة، ولذلك ينتهي اثر التظاهرة وصراخ المتظاهرين في الشوارع العربية باختفاء آخر متظاهر وانسحاب آخر سيارة شرطة من الشارع.. وكفى الله المؤمنين القتال!! على هذه الوضعية المخزية لمكانة المواطن وتأثيره في صناعة القرار وفي مجمل العملية السياسية في بلاده ترتكز قوة التوجه الأميركي، وثقة الادارة في نجاح مبادراتها السلمية منها والعسكرية المدمرة، فالولايات المتحدة تعلم يقيناً بأنها لو ضربت العراق فإن العراقيين في الداخل سيكونون أكثر الناس سعادة بالخلاص من صدام حسين الذي تروج الحملة الأميركية انه الهدف من كل حشودها، وهنا يبدو التلاعب والكذب الصريح، خاصة حينما تدعي أميركا بأنها تبذل مالها ودمها وحشودها العسكرية من أجل تخليص العراقيين من ديكتاتورية صدام وصولاً بهم إلى ديمقراطية المعارضة!! إن أميركا تعلم بأن أقصى ما سيفعله المواطنون العرب في شوارع بعض العواصم هو التظاهر واطلاق العنان للهتافات المعروفة ورفع صور صدام حسين مجدداً. إذن فليس هناك خوف من ردة فعل الشارع العربي، فهذا لم يكن يوماً رقماً صعباً في سياسات الشرق الأوسط، ولم يكن يوماً عاملاً مؤثراً في تغيير السياسات أو الضغط باتجاه تغييرها لصالح الالتزامات القومية والوطنية والشعبية إلا في حالات نادرة نضعها في خانة الاستثناء وليس القاعدة! برغم ذلك، نقول بأن الشارع العربي اليوم في مواجهة خطر داهم هو وأنظمته، وربما لأول مرة تستخدم دولة غازية سلاح الديمقراطية لتهدد به الانظمة وتتقرب به من الشعوب، وهنا يكمن الخوف الأكبر، ان تتحول الدعوة التي جاءت في مبادرة كولن باول الى معول هدم ودمار، يغرق المنطقة إما في حمامات دم وإما في أوضاع أسوأ مما جاءت في تقرير التنمية الإنسانية لعام 2002، والذي استعان كولن باول بحقائقه وأرقامه ليبني عليه مبادرة الشراكة مع الشرق الأوسط.. الله يستر من القادم!!