الاحد 18 شوال 1423 هـ الموافق 22 ديسمبر 2002 هل ارتكب العراق «انتهاكاً مادياً» كما اعلن وزير الخارجية الاميركي كولن باول يوم الخميس؟ واذا افترضنا جدلا ان الاجابة هي بنعم فهل هو «انتهاك» يبرر اتخاذ اجراء ما ضد العراق؟ ان الاجابة عن هذين السؤالين تعتمد بالضرورة على تقييم موضوعي لمحتويات الملف الذي تقدمت به الحكومة العراقية الى مجلس الامن الدولي. وحتى اذا توصل المجلس الى استخلاص بأن العراق ارتكب «انتهاكاً مادياً» فإن الاجراء الذي يجب اتخاذه حيال العراق هو من سلطة مجلس الامن وحده. «الانتهاك المادي» الوارد في سياق صياغة القرار 1441 مصطلح يتعلق بمسألة ما قد يكون أو لا يكون للعراق من اسلحة الدمار الشامل. فاذا كان الملف العراقي ينطوي على معلومات كاذبة او ناقصة او غير دقيقة فإن الحكومة العراقية تكون قد ارتكبت انتهاكاً ماديا ـ أو ملموساً وصريحاً ـ للقرار. حتى الآن لم تقل اي دولة من الدول الخمس الكبرى دائمة العضوية في مجلس الامن الدولي ان العراق ارتكب انتهاكاً مادياً سوى الولايات المتحدة، وبالطبع لم يتوصل مجلس الامن الدولي الى استخلاص بعد. لمدى ما يقارب نصف الساعة ظل كولن باول يخاطب مؤتمراً صحفيا في واشنطن وهو يجاهد جهاداً متصلاً لتفادي الاجابة عن كل سؤال بشأن الادلة. لقد قال هانز بليكس رئيس اللجنة الدولية للتفتيش عن الاسلحة في العراق تعقيبا على الملف العراقي انه في هذه المرحلة لا يستطيع أن يدين العراق او يبرئه. ان البون شاسع جداً بين موقف بليكس وموقف الادارة الاميركية، فرئيس اللجنة الدولية يحصر قوله في حادثة معينة ومحددة مؤكداً على الدوام أولا ان عملية التفتيش لاتزال في طور مبكر وثانيا انه يجد من العراق تعاونا متصلا، لكن الادارة الاميركية تواصل الادعاء بأن العراق يكذب باعلانه انه لم يعد يملك شيئاً من اسلحة الدمار الشامل. ان الافتراض النظري في هذه الحالة هو ان لدى الولايات المتحدة من المعلومات الاستخباراتية الموثقة ما يمكن ان يعتبر دليلاً يثبت ان العراق مازال فعلا يملك اسلحة دمار شامل. لكن اين هذا الدليل؟ ان هذا التساؤل يأتي حتى من هانز بليكس نفسه. فقد اشتكى بليكس علنا من ان الولايات المتحدة «وايضا بريطانيا» لم تزوده بما قد يكون لديه من معلومات استخباراتية يعتمد عليها. قطعا الولايات المتحدة ليس لديها اي أدلة ذات قيمة، ولو كان لديها مثل هذه الادلة لما ترددت لحظة واحدة في تسليمها الى اللجنة الدولية. والسؤال الذي يطرح على كل لسان الآن هو: هل تشن الولايات المتحدة الحرب على العراق؟ ان من الواضح ان الادارة الاميركية تجد نفسها في ورطة من صنع يديها. فليس من المتصور انها تشن حرباً في وجه معارضة من قوى دولية اخرى ذات وزن: فرنسا والمانيا وروسيا والصين، اما اذا ارادت ان تضمن أولاً تأييد هذه القوى فإنه يتعين عليها أولاً ان تكسب المعركة الدبلوماسية في مجلس الامن الدولي. ولن تستطيع ان تكسب هذه المعركة دون ابراز ادلة قاطعة ومقنعة بأن بحوزة العراق فعلا اسلحة دمار شامل. وفي كل الاحوال فإنه ينبغي على الادارة الاميركية ان تنتظر فروغ اللجنة الدولية للتفتيش من مهمتها وتقديم تقرير نهائي الى مجلس الامن الدولي.. وهذا يستغرق شهوراً.. ودون ضمان. فماذا لو انتهت عملية التفتيش الى تبرئة ساحة العراق؟ وحتى اذا ادانت لجنة التفتيش العراق فإن ذلك لن يعني تلقائياً اعطاء ضوء اخضر دولي للولايات المتحدة لشن الحرب، فالقرار 1441 ينص في هذه الحالة على ان يعقد مجلس الامن الدولي جلسة خاصة لبحث ما يجب اتخاذه من اجراء «ملائم». وماذا لو قرر المجلس ان الاجراء «الملائم» ليس خيار الحرب وانما الاكتفاء بتدمير الاسلحة والمواد التي عثر عليها لدى العراق. ان اميركا في ورطة رغم قرقعة السلاح في الخلفية. وقد بدأت هذه الورطة بمثول الرئيس بوش امام مجلس الامن الدولي قبل بضعة شهور لشرح رؤية اميركا نحو المسألة العراقية. وذلك انه بمجرد دخول بوش مبنى الامم المتحدة وضعت اميركا مصير العراق في يدي مجلس الامن الدولي.