برزت في الاونة الآخيرة، ظاهرة جديدة ينبغي على الباحثين والمتخصصين في العلاقات الدولية، دراستها وفهمها جيداً ، لانها ستكون ذات حضور فعال خلال السنوات المقبلة. الظاهرة التي نقصدها، هي ظاهرة «الفرد الدولة» اي تحول شخص ما وحده الى دولة قائمة بذاتها، قد تقوم دولة اخرى باعلان الحرب ضده، أو تحاول دولة ثالثة استقطابه لتوطيد العلاقات معه واستخدامه للضغط على بلده الاصلي. وابرز شخصين ينطبق عليهما فكرة «الفرد الدولة» واللذين لمع اسماهما في الفترة الاخيرة، هما اسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة والدكتور سعد الدين ابراهيم مدير مركز ابن خلدون للدراسات في مصر. فالأول اثار الولايات المتحدة الاميركية، التي اتهمته بتدبير تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر من العام الماضي، وقامت بحرب كبيرة ضده وضد النظام الذي كان يحميه في افغانستان، واعتبرته العدو رقم واحد لها في العالم. وهكذا تحول فرد واحد، الى عدو اساسي للقوة الاعظم في العالم، التي لم تخجل من نفسها، عندما صورته على انه «سوبر مان» يستطيع أن يلوث مياه البحار، ويفجر الكباري والجسور ويحطم الطائرات في الجو، ويهز اوضاع الاقتصاد العالمي، ويعرض استقرار انظمة للخطر اي باختصار انه يستطيع ان يفعل المعجزات التي تعجز الكثير من الدول، عن القيام بها في هذا الزمن. اما النموذج الثاني وهو الدكتور سعد الدين ابراهيم، فكان على العكس تماما من الاول اذ لم يكسب عداء الولايات المتحدة بل اكتسب حبها وصداقتها الى الدرجة التي اعتبرته دولة مستقلة بحد ذاته، وحرمت مصر من معونة اضافية تقدر بـ 130 مليون دولار، احتجاجاً على قيام السلطات القضائية المصرية بحبسه لمدة سبع سنوات. وجاء في حيثيات الحكم ضد ابراهيم انه مارس النصب الدولي واساء لسمعة مصر، وتلقى أموالاً من حلف الناتو واسرائيل ودول عربية وغربية، بعد ارتكاب العديد من وقائع التزوير من اجل الحصول على منح مالية، اضافة الى افترائه على الحق وزعمه باطلاً ان هناك اضطهادا دينياً في مصر، وانها تعامل حركة حقوق الانسان بعداء. لكن هذا الحكم لم يعجب اميركا، فقررت معاقبة مصر بحرمانها من المعونات الاضافية، كما تبارت وسائل الاعلام الاميركية، في شن حملة انتقادات جارحة على الحكومة المصرية لاجبارها على التراجع عن سجن ابراهيم. ففي صحيفة الـ «نيويورك تايمز» قالت احدى الافتتاحيات مؤخراً، ان الحياة السياسية في مصر، هبطت خلال العقدين الماضيين الى الاسفل، مشيرة الى انه لو كان هناك تغيير، فيجب ان يتم على ايدي رجال شجعان ملتزمين مثل سعد الدين ابراهيم، فهو وامثاله يستحقون دعماً اميركياً قويا. وهكذا اصبح سعد الدين ابراهيم، كما تزعم الصحف الاميركية، شعلة التنوير في مصر، والتي حاولت الحكومة المصرية حجب اشعة نورها عن الجمهور، حرصا على استقرار الاوضاع. اذن تعاملت اميركا مع ابراهيم كدولة حليفة، وليس شخصاً حكم عليه قضاء بلاده بالسجن، لارتكابه اعمالاً تخل بأمنها واستقرارها، ومن ثم فان الرسالة الخطيرة التي يحملها هذا الوضع، هي ان فرداً واحداً قد يكون ذريعة للقضاء على نظام وامة كاملة، لتحقيق مصالح دول وقوى كبرى، قادرة على خلق نموذج الفرد الدولة.