مادام ليس للاردنيين القدرة على تفكيك الازمات المزمنة على حدودهم الغربية والشرقية فقد اصبح لديهم عزم على كسر تلك الصورة التقليدية، التي تجعل الاردن اسير تلك الازمات. ثمة تحرك اردني دؤوب لبلورة مخرج من تلك المحنة عبر اخذ زمام المبادرة لصياغة مستقبل لا يرهن الوطن للجغرافيا. هذا انطباع اكدته سلسلة لقاءات مع وزراء ومسئولين في الاردن غير ان عناصر تتضافر تحول دون بلوغ هذا الانطباع درجة القناعة اذ لا يزال التحرك في بدايات تشكله وهو مطالب باختراق واقع متكلس ومنخور بالعديد من السلبيات. مما يعزز ذلك الانطباع ان هناك وجوهاً شابة في مواقع المسئولية على عتبة الاربعينيات او تحت سقفها يتحدثون لغة عصرية جداً عن مشروعات طموحة جداً تعتمد وسائط علمية وتستهدف إلغاء مصادر الدخل التقليدية بما في ذلك الزراعة التي تستنزف الاحتياطيات المائية ولا توفر في النهاية الحياة المرتجاة. حوض الديسي غايته الحفاظ على العجز المائي الحالي عند تنفيذه ـ وليس الغاء ذلك العجز. يزيد ذلك الانطباع تفاؤلاً ان المخضرمين من المسئولين بدأوا كذلك يتحدثون لغة العصر. ليس منافياً للحقيقة القول ان الاردن اصبح يتلبس عقلية حديثة مهمومة بالتحديث لكن الوزراء والمسئولين يحرصون على عدم ربط هذا التغيير الذي لا تخطئه العين الثاقبة برحيل الحسين او اعتلاء عبدالله الثاني العرش. الصورة ليست زاهية بحيث يصبح التفاؤل على مستوى نبرة الحديث. حتى وسط القيادات الاردنية تتطلب المسألة احداث ثورة في العقلية. لدى الاردنيين عامة والقيادات خاصة هوس بالسياسة يتصاعد كثيراً بحيث يحجب الرؤى عن الاهداف المحورية. من ذلك الانشغال بالتغيير الحكومي والتعديل الوزاري، فكلما زرت عمان وجدت الاهتمام بهذه المسألة همساً متداولاً في الاروقة الرسمية وحديثاً متداولاً في الصالونات. الاسبوع الماضي بلغ الامر باحد الصحافيين ان يسأل رئيس الوزراء نفسه في مؤتمر صحفي عن مصداقية الاشاعات المنتشرة عن تغيير حكومته . ولم يكتف الصحافي بالسؤال عن احتمال تعديل وزاري. ابو الراغب كان محقاً عندما اجاب قائلاً بانه آخر من يفترض ان يوجه اليه سؤال عن استبداله. بالطبع لان الملك لن يشاوره حين يقرر تغييره، وكان ابو الراغب حليماً حين اجاب على السؤال بموضوعية فقط. على مائدة عشاء اردنية لم يتردد صحافي في سؤال وزير عن التعديل الوزاري. رغم ان الوزير قصد تجاهل السائل لكن فطنة الصحافي لم تردعه حيث الح على إعادة السؤال اكثر من مرة مما اضطر الوزير المضيف الى الاجابة بظرف على ضيفه فروى ان وزيراً في بلد مجاور دخل وزارته للمرة الاولى بعد مرور 50 يوماً على اعلان التشكيل الوزاري. اذ انه كان يزور أميركا عند تعيينه وبعد انهاء اموره على مهل عاد الى عاصمته وزيراً. وقال الوزير المضيف لضيفه السائل اما انا فقد دخلت مقر وزارتي بعد خمس دقائق على اعلان التشكيل الحكومي انطلاقا من قناعة بأهمية المبادرة فهنا يمكن الا يتجاوز بقاء الوزير في المنصب 50 يوماً. يتداول الاردنيون ملحة عن رئيس وزراء مطبوع بالظرف كثر الحديث عن اقتراب نهاية حكومته. وفي احدى المناسبات التي تجمع الملك عادة برجال دولته قال رئيس الحكومة للملك يا سيدي كل هؤلاء الذين حولك يطلقون اشاعات عن تعديل حكومي وشيك فرد عليه الملك قائلاً: لا تصدقهم، فقال رئيس الوزراء نفسه ليس المهم انا، الأهم ألا تصدقهم انت يا سيدي. البعض يؤكد ان هذه الرواية حدثت بالفعل وليس مجرد ملحة جرى نسبها الى رئيس الوزراء الذي اشتهر بالمرح والجرأة. وهي تعكس في كل الاحوال ظاهرة سياسية اردنية محورها الصالونات السياسية التي تعج بالهمس والجدل لكنها تأخذ احياناً طابع اللوبي الذي يستهدف بلوغ غاية معينة بواسطة اطلاق شائعة ما. ابو الراغب غادر عمان في زيارة خاصة، ربما تكون هرباً من جو شائعات التعديل الحكومي تاركاً المسألة برمتها حتى يستبين حقيقتها من بعد. في هذه الصالونات يأتي رئيس الوزراء مثل منصبه في المقدمة. من الملح المتداولة عن رؤساء الحكومات الاردنية ان احدهم عمد الى محاكاة الملك الراحل الحسين ـ عطر الله ثراه ـ وبلغ به الامر ان لجأ الى ان يتعلم الطيران. وبينما كان في المراحل المبكرة من التدريب استدعاه الملك بينما كان في العقبة على عجل. فاستقل رئيس الوزراء طائرة كانت تتجه الى السعودية وهبطت في العقبة لانزال رئيس الوزراء. ولما علم الملك بالامر سأل رئيس وزرائه عقب اللقاء عن الوسيلة التي سيعود بها الى عمان فأجاب انه طلب طائرة التدريب التي كانت وصلت بالفعل الى المدينة، ولما صعد رئيس الوزراء الطائرة وتولى القيادة واقلع من المطار وابلغ برج المراقبة سأل الرجل الذي كان يمينه وهو الوحيد معه على الطائرة عن الخطوة التالية ولدهشة رئيس الوزراء المتدرب على الطيران، اجاب الرجل انه لا يعلم شيئاً عن الطيران فسأله رئيس الوزراء عن حقيقته فأجاب الرجل انه موظف في العقبة وان والدته في الرمق الاخير تنازع في مستشفى عمان، ولما كان يبحث عن وسيلة سريعة للحاق بوالدته قبل وفاتها فقد ابلغه مسئولون ان طائرة ستقل رئيس الوزراء ومن ثم فانه غزل طريقه الى هذا المقعد. كيف استطاع الموظف ان يؤمن لنفسه المقعد وكيف كان رد رئيس الوزراء في الحال وهل استطاع اكمال رحلته ام عاد الى مدرج العقبة؟ فتلك حكاية أخرى.