«إنه مؤتمر خداعي لتجميل الوجه القبيح للرأسمالية العالمية عديمة الرحمة». هكذا لخصت المنظمات الغربية العالمية المناهضة للعولمة «قمة الارض» التي اختتمت الاسبوع الماضي في جوهانسبيرغ. وما ابلغه من وصف، فالدول الصناعية الرأسمالية التي كانت وراء تنظيم المؤتمر وتسييره وتحديد جدول اعماله وصياغة قراراته الختامية هي التي جاء ممثلوها الى جوهانسبيرغ للدفاع عن مصالح الشركات متعددة الجنسية المسئولة أصلاً عن اشاعة الفقر والمرض والجهل بين شعوب العالم الثالث. ووصف الرأسمالية العالمية بأنها عديمة الرحمة لاشك في دقته البلاغية، فالهاجس الاوحد للشركات الرأسمالية العملاقة في هذا العصر وفي كل عصر هو وضع اعتبار تعظيم الربح بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة فوق اي اعتبار اخلاقي او انساني، والهدف من عقد مؤتمرات دولية على غرار «قمة الارض» من حين لآخر تحت شعار «محاربة الفقر في العالم» ليس سوى محاولة لتجميل القبيح بمبررات اكاديمية متحذلقة. لهذا تحاشت «قمة الارض» في بيانها الختامي التعرض لاي قضايا واقعية وملموسة تشكل جانباً من جوانب ظاهرة الفقر المنتشرة والمتعاظمة بين شعوب العالم الثالث، لقد توخى واضعو البيان لزوم العموميات المبهمة لتحاشي الزام الدول الصناعية وشركاتها العملاقة بأي تعهد أو موعد. ولو كان لدى حكومات الدول الصناعية أو شركاتها اية نوايا جادة للتصدي لظاهرة الفقر لتجاوزوا «الكلام الكبير» الى انتقاء مشكلة واحدة فقط من المشاكل العديدة الناشئة من ظاهرة الفقر العامة والتزموا بجدول زمني محدد لمعالجتها ورصدوا على الفور التمويل المطلوب، من هذه المشاكل الواقعية مثلا: انتشار وباء الملاريا ووباء الايدز وتوفير الماء النقي للجميع وظاهرة موت الاطفال بمعدلات خطيرة. الملاريا تقتل اكثر من مليوني شخص سنوياً في آسيا وافريقيا، ومن بين 45 مليون حالة ايدز في العالم حاليا هناك 34 مليون حالة في افريقيا وحدها، والاعداد في ازدياد بمعدلات سريعة. ودعني اروي قصة: قبل نحو عشر سنوات اكتشف باحث ارجنتيني مرموق لقاحاً مضاداً للاصابة بالملاريا، وقبلت منظمة الصحة العالمية اللقاح بعد فحصه وتجريبه، لكن القصة انتهت مبتورة عند هذا الحد فأغلق الملف. لماذا؟ لان كل الشركات العالمية متعددة الجنسية المتخصصة في صناعة الادوية رفضت تصنيع هذا اللقاح. لماذا؟ لان التطعيم بهذا اللقاح على نطاق واسع في بلدان آسيا وافريقيا سوف يؤدي الى تقليص عدد الاصابات بالملاريا الى الحد الادنى. ومعنى ذلك هبوط مبيعات الادوية المصنعة لعلاج هذا المرض بعد انهيار الطلب عليها.. بمعنى خسران شركات الادوية لسوق رائجة تدر مئات الملايين من الدولارات سنوياً كأرباح. اذن وجب محاربة اللقاح المبتكر وقتله في مهده، وهذا هو بالضبط ما جرى! وعلى صعيد موازٍ فإن شركات الادوية العالمية تعزف عن تشجيع اي بحث يهدف الى ابتكار لقاح ضد الايدز.. حفاظاً على سوق الادوية العلاجية للايدز التي تجني منها الشركات ارباحاً متضاعفة سنويا. ولاشك ان هذه الشركات ترغب في ازدياد معدلات انتشار الملاريا والايدز وغيرهما من الامراض لكي تتوسع سوق الادوية. انها الرأسمالية «عديمة الرحمة» كما تقول منظمات مناهضة العولمة، لكن يبقى سؤال: هل بوسع هذه المنظمات التي تتكون عضويتها من اوروبيين واميركيين اساساً ان تحقق انتصاراً على الشركات العملاقة بينما يبقى اصحاب القضية الاصليون ـ شعوب البلدان النامية ـ في حالة سبات وخمود؟ لن تنهض شعوب افريقيا إلا اذا ادركت انها اذ تحررت من استعمار احتلالي قبل نحو اربعين عاماً فإنها دخلت عهد استعمار اقتصادي جديد لا يرى بالعين المجردة، انه ذلك الاستعمار الذي ينهب الموارد والثروات الطبيعية تحت اسم «تحرير التجارة العالمية» وبرامج «الخصخصة» وتعقد له مؤتمرات عالمية لتبريره بشتى الحيل الاكاديمية والدبلوماسية.