تبدو «روما» مثل عصفورة أحلام تغريك بالركض وراءها بمجرد أن تراها والمثير للدهشة أنه يسهل الإمساك بها.. مثل لؤلؤ أساطير تشعرك وأنت تتسكع في شوارعها وتتفرج على متاحفها وتسترخي على مقاهيها بأنك الوحيد، التي تمتلكها.. مثل بلورة سحرية مشحونة بدراما التاريخ العريق تفتح لك خزائنها وأسرارها بمجرد أن تطمئن على أنك تحتفظ لها بقصيدة من قصائد العشق. لقد أحببت «روما» بالمراسلة. والحب بالمراسلة صناعة قديمة بالية.. مثل صناعة العربات الخشبية في عصر الأقمار الصناعية.. والاتصالات اللاسلكية والعاطفية.. وما أن هبطت مطارها ووجدت نفسى في أحضانها حتى شعرت أنني أعرفها منذ زمن بعيد.. سحيق.. عتيق.. بكل ما فيه من ضيق واتساع.. سخف وذكاء.. مرض وعافية.. ارتفاع وانحدار.. نظام وفوضى.. عروض واغتيالات.. عشق وكراهية.. وفي كل مكان أكثر من دليل على ذلك.. آثار حية تتداخل فيها العصور والأزمنة.. وكأنك ترى «يوليوس قيصر» يقود سيارة «فيات».. أو كأنك ترى «كليوباترة» تتناول نبيذها الأحمر المفضل في بار فندق «أكسليسيور» في انتظار أن يغير «مارك أنطونيو» ثيابه العسكرية.. أو كأنك ترى «نيرون» المجنون وهو يتأمل رباطة عنق جديدة في فاترينة «بريوني» قبل أن يشعل النار في عاصمة بلاده.. أو كأنك ترى «بروتوس» وهو يصعد التل إلى دولة «الفاتيكان» وفي يده شريحة «بيتزا» قبل أن يشتري الخنجر الذي سيطعن به سيده وصديق عمره.. «سيزار».. إن «روما» سيف من الفيروز.. تمسك بقبضته فتجد التاريخ كله يبرق أمامك. بالمراسلة أيضا كانت تلك العائلة الأمريكية الصغيرة تعشق «روما». أحبتها سنوات طوال.. من بعيد جدا.. رجل ثرى.. وزوجته رقيقة.. وشاب جاء إليهما في لحظة حب حقيقية.. كانت «روما» بالنسبة لهم أكثر من مجرد مدينة سياحية سيطرت في قرون سحيقة على الدنيا.. كانت صفحة من تاريخهم لا يمكن انتزاعها. وتربة ضربت فيها جذور أجدادهم.. كانت بالنسبة لهم هوية. وشخصية. وذكريات منسية. الجد الأكبر جاء من «صقلية» ترك قسوة البشر.. وصعوبة لقمة العيش.. كسر يأسه.. وفر من حصار الحزن الذي يخنقه.. ونزل «روما».. كانت أحلامه كبيرة.. وقدرته على الاقتحام والوثوب مذهلة.. لكنه كمن خرج من دمعة ليدخل في دمعة أكبر. وكمن اجتاز حدود جرح قديم ليدخل في حدود جرح جديد.. فما أن اقترب من فاترينة الطعام على الطريق طالبا شريحة بيتزا حتى اكتشف أن نقوده المتواضعة قد سرقت منه.. ولم يكن أمامه سوى أن يمشى سيرا على الأقدام بحثا عن لقمة ومأوى.. وقادته قدماه إلى قرية صغيرة على أطراف العاصمة يسكنها صيادون. تعودوا على ما يبدو على الغرباء.. فتحوا له نصف باب.. ونصف قلب.. لكن بعد أن أطلقوا عليه كلاب الحي. عاش حتمية التصادم بين أحلامه التي تتحقق بطلوع الروح وبين واقع شرس لا قيمة للبشر فيه.. لكن لم يستسلم لغريزة القطيع، وانصياع القطيع، وتفكير القطيع.كانت طبيعته الانقلابية تفرض عليه شجاعة تجعله يتجاوز حدود القناعة. وبالدم والعرق والعنف والرصاص عاش سنواته في مدينة لا ترحب كثيرا بالفقراء.. بدأ مشواره حارسا في ملهى ليلي.. ثم تركه ليعمل في مطعم. وسرعان ما أصبح شريكا فيه.. ثم أصبح مالكا لسلسة مطاعم شهيرة. ثم باع كل ما لديه وحمل أمواله في صناديق صابون وهاجر إلى أمريكا.. وهناك أصبح ملكا من ملوك البيتزا. طعام العمال البسطاء الذي اصبح جزءا من الشخصية الأمريكية بمجرد أن عبر المحيط. جاء أحفاده إلى «روما» ليزوروا الأماكن الذي ولد وعاش وكافح فيها.. شيكات سياحية.. وبطاقات ائتمانية. وكاميرا تصوير. وملابس من الجينز.. وسيارة كانت جاهزة على باب المطار.. وراحت العائلة الأمريكية الصغيرة رحلة عمرها بحثا عن جذورها. مصدر ثرائها.. جلس الاب والأم في مقعد السيارة الخلفي.. وتولى ابنهما الشاب القيادة..كان قد درس العلوم السياسية في جامعة «جورج تاون» الشهيرة في «واشنطن» وخلال الدراسة ارتبط بعضو في الكونجرس راح يتدرب على يديه ليخلفه في موقعه. وربما كان طموحه يتجاوز ذلك. ربما خطر بباله أن يصبح رئيسا لبلاده.. فالأحلام هناك مثل الطرق المفتوحة.. سريعة.. وخالية من المطبات.. لكنه قبل أن يمارس حياته العملية أصر على تلك الرحلة إلى «روما». وهكذا انطلق بسيارته وهو يتبادل القفشات والنكات مع والديه بينما موسيقى الريف الأمريكي تعبئ السيارة وتضاعف من سرعتها. كان المشهد ساحرا.. جبل يناطح السماء. وشمس تغرب وراء الأفق.. وصوء نهار يستعد للاستسلام لجاذبية النعاس. مشهد تجلت فيه الطبيعة الإيطالية وسمت على كل ما على الأرض من فهلوة وصخب وخفة يد وقدرة فائقه على سرقة الكحل من العيون.. في تلك اللحظة سرح الشاب قليلا وكأنه يصلي. ومالت الأم عليه لتقبله.. لكنها كانت القبلة الأخيرة.. فقد كان في الطريق العكسي شاحنة عملاقة تندفع بقوة وسرعة وكأنها قطيع من الأفيال الهائجة. وتحولت السيارة الصغيرة تحت عجلات الشاحنة إلى طبق «سباجتي» بالصلصة الحمراء.. وخرج الأب والأم بمعجزة. ونقل ابنهما إلى المستشفى.. وهناك اكتشف الأطباء أن رصيد المعجزات في ذلك اليوم قد نفد.. وأن الشاب المتفجر حيوية لم يلحق آخرها. وفي جيب الشاب عثر الأطباء على بطاقة صغيرة عليها قلب أحمر.. إنها البطاقة التي تعني أن صاحبها موافق على أن يتبرع بأعضائه لمن يحتاجها بعد رحيله عن الدنيا. ورغم أن هذه البطاقة كانت تبيح للأطباء تفكيك ما تبقى من جسد الشاب إلى قطع غيار فإنهم فضلوا أن يحصلوا على موافقة والديه.. وقد راحوا يقدمون رجلا ويؤخرون رجلا وهم يقتربون من حجرتهما في المستشفى. وما أن دخل عليهما مدير المستشفى حتى فوجئ بأنهما يقدمان له شيكا بمبلغ 100 ألف دولار.. وقبل أن تختفي علامات الدهشة من ملامح الرجل قال له الأب: «إنه مبلغ من المال تحت حساب تكاليف جراحات الأشخاص الذين سيستفيدون من أعضاء ابنه».. وقالت الأم: «إن ذلك سيكون الجسر الذي سيوصل ابني إلى مملكة السماء ليبقى فيها مستقرا مطمئنا».. ولم يتمالك مدير المستشفى.. وخرج من الحجرة وهو يشعر أن الدموع لا تسقط من عينيه وإنما من قلبه. في قوائم انتظار المستشفى كان هناك شاب وفتاة يحتاجان يعانيان من الفشل الكلوي ويحتاج كل منهما إلى زرع ولو كلية واحدة ليعيشا حياة طبيعية.. كان الشاب موهوبا في ابتكار برامج الكومبيوتر.. وقد فتح مكتبا نقل فيه خبرته إلى عشرات من أبناء القرية.. وهو ما أتاح لهم العمل بأجر مرتفع في شركات محترمة.. وكان الشاب يعيش قصة حب رومانسية مكتومة.. فهو لا يريد أن تشقى معه الفتاة التي ألقى قلبه بين يديها.. وفي الوقت نفسه لم تتقبل أسرتها أن تتزوجه.. فليس بعبقرية الكومبيوتر يعيش الإنسان.. وقد أجمع الأطباء وأهالي القرية على أن الكلى الأولى من نصيب هذا الشاب.. ودخل غرفة الجراحة في وقت كانت القرية كلها تصلي له.. وفي وقت كانت فيه أم الشاب الضحية تصلي أيضا.. ولكن في وطنها البعيد.. فبعد نحو ثلاثة أسابيع تركت القرية الإيطالية وعادت إلى بلادها.. وبينما كانت الجراحة تجرى كانت عائلة الشاب الضحية تشعر أن بعضا من ابنها الراحل تعود إليه الروح. وفي قوائم انتظار المستشفى كانت هناك فتاة انتخبت ملكة جمال القرية.. عمرها لا يزيد على 22 سنة. درست الهندسة الوراثية.. وحلمت بأن تكون مذيعة تليفزيونية.. أو نجمة سينمائية. تسابق شباب القرية عليها.. وتساقطوا صرعى رموش عينيها.. لكنها كانت كنهر الماء العذب..حلقها جاف والماء يحاصرها من كل جانب. فيوم أن وضع قلبها على مقياس ريختر واهتز بعنف من شدة الحب وجدت نفسها تفرغ ما في أمعائها وتصاب برعشة حادة وتدوخ الدنيا بها.. وعندما ذهبت إلى المستشفى كانت مأساة الفشل الكلوي في انتظارها.. ورغم أنها تحملت الصدمة وحاولت إضفاء بهجتها المعتادة على ما حولها إلا أن الأحزان عندما تعشش على جدران القلب يصعب على العيون إخفائؤها. كان مجلس القرية هو السلطة العائلية والتنفيذية العليا في المكان.. وكان كل أعضائه من الأعيان الذين يعطون ما عندهم ويدفعون من جيوبهم ولا يسرقون ما حولهم بدعوى الخدمة العامة.. وقد قرر المجلس أن تكون كلية الشاب الأمريكي الضحية من نصيب تلك الفتاة. وارتفع صراخ الناس بالتأييد. وبينما مشارط الجراحين تفتح بابا لتضع فيه الكلى السليمة كانت صلاة القرية تتعانق في السماء مع صلاة عائلة الشاب الضحية. فقد حرص مجلس القرية على إبلاغها بموعد الجراحة. وفي تلك اللحظة كانت عائلة الشاب تشعر أن جزءا من جسد ابنها تعود إليه الحياة. وقد تكرر هذا الشعور لدى عائلة الشاب الأمريكي عندما دعيت للصلاة أيضا في وقت كانت تجرى فيه جراحة لزراعة كبد أبنها في جسد رجل أعمال يتبرع للقرية التي ولد فيها بكل ما تحتاجه من مدارس ومعامل ومصاريف لتعليم أبنائها في الجامعات.. إنه يتحمل كل عام ما يزيد على ثلاثة ملايين دولار.. وتشعر القرية أنه بمثابة «الأب الروحي» لها.. لكن.. ليس على طريقة عصابات المافيا. وإنما على طريقة رهبان الفاتيكان. كانت رحلة الحياة القاسية قد استهلكت كبد الرجل وحولته إلى غربال واسع الثقوب وفشلت كل محاولات زرع بديل في جنبه.. إن الثروة مهما كانت عريضة قد لا تبيح لصاحبها أن يتناول قطعة من العجين عليها شريحة من الجبن وعصير الطماطم. إنها قوانين الحياة التي تعطينا فرصة المتعة في الوقت الذي لا نملك القدرة عليها.. هذه القوانين فرضت نفسها بضراوة على هذا الرجل.. فلم يملك إلا أن يعيش مثل النساك في كهوف التعبد.. وقد شعر أن الدنيا يمكن أن تبتسم له مرة أخرى عندما طمأنه الأطباء على أن كبد الشاب الأمريكي سيقبله جسمه ولن يتعامل معه باحتقار كما فعل من قبل مع غيره.. وأعلنت القرية الصلاة وقت الجراحة.. وشاركتها عائلة الشاب الأمريكي وهي في بيتها.. وأبرقت أمه إلى عمدة القرية قائلة: «إن لمفهوم الأمومة عندي مفهوما شاملا».. فقد أصبحت أما لرجل يكبرها بكثير بعد أن وضع كبد ابنها في جسده.. وأعاد إليه الحياة من جديد. لقد سمت الأم فوق مأساتها الشخصية بفقد وحيدها فانبثقت من تحت الأرض الزهور والرياحين واخترعت لها ولغيرها زمنا جميلا.. إنها لم تستسلم للإقامة في سرداب الحزن.. ولم تبشر بطول البقاء في نفق الموت الكئيب.. ومن خلال قدرتها الفائقة على الصبر والتفاؤل ساهمت في طلوع الفجر.. إن ابنها لم يكن يريد أن يموت.. لم يكن يريد أن يكون مجرد جثة ملفوفة في كفن ومدفونه في قبر.. لم يكن يريد أن يكون وليمة شهية لديدان الأرض.. فذهب بنفسه ليوقع على تعهد بأنه مستعد لنقل أعضائه إلى من يحتاجها. كان في كامل حيويته وشهامته وثقته في السماء.. ففي يوم القيامة عندما ينفخ في الصور ستعود إليه أعضاؤه المبعثرة.. بفضل القدرة الآلهية. لقد ساهم الجسد الميت في منح الحياة بكفاءة لغيره من الناس.. فبجانب الكليتين والكبد استخدمت القرنيتان في إعادة البصر لرجل دين ومدرس لغة إنجليزية. وزرع القلب في صدر شاب مثله كان على وشك التخرج في الجامعة فشلت معه كل محاولات العلاج الأخرى.. وراحت خلايا جلده إلى معهد أبحاث السرطان ليواصل العلماء تجاربهم عليها سعيا وراء طريقة لزرعها في خلايا جلد مريضة بالسرطان.. وهي تجارب على وشك النجاح.. بل حققت نسبة متفائلة من النجاح. إن جسدا واحدا فارق الحياة غصبا عنه.. غريبا عن بلاده جدد الحياة في أجساد أخرى لا يعرف أصحابها.. أعاد إليهم الصحة والعافية.. حول النزيف والوجع والرحيل إلى حركة وحيوية وتواصل مع الدنيا.. كان يمكن أن يكون نسيا منسيا. مجرد خبر مهمل مجهول في صفحة الحوادث ربما لا يتلفت إليه أحد. لكنه رفض ذلك.. وأصر على أن يكون قائما ومستمرا ولو في صورة أشخاص غيره.. بل في صورة تمثال كبير في قلب القرية الإيطالية التي قتل فيها. لقد خلدته القرية.. وصنعت له تمثالا.. وأطلقت اسمه على أهم ميادينها.. الميدان الذي يشهد احتفالاتها وأعيادها ومناسباتها السياسية والقومية والتاريخية. وتعهد كل شاب أخذ قطعة منه أن يسمى ابنه على اسمه.. وفي حفل جماعي تزوج هؤلاء الشبان.. ودعيت أسرة الشاب الأمريكي لحضور الزفاف.وكان الأب على منصة الشرف الرئيسية. بينما أصرت الأم على أن تشارك الشباب والفتيات الرقص.. فقد كانت تريد أن ترقص مع ابنها.. أو مع بعض منه. لقد تحول الجزء إلى كل.. وخرج الحي من الميت.. وانتصر الوجود على العدم.. إن هذه القصة المستوحاة من واقعة حقيقية تطرح من جديد وبصورة مختلفة قضية نقل الأعضاء بعيدا عن الصخب الذي تحدثه كلما فتحناها.. نطرحها بطريقة سهلة بسيطة.. من أحيا نفسا ميتة كمن أحيا الناس جميعا.. هكذا دون التورط في جدل عقيم..وقد تذكرت تلك الواقعة الحقيقية أكثر من مرة وأنا على الطريق الصحراوي بين القاهرة والاسكندرية وعشرات السيارات مهشمة وكأن يدا عملاقة فعصتها وكورتها.. ماذا لو أن عائلات الشباب الذين قتلوا في هذه الحوادث قد تبرعوا بأعضائهم لمن ينتظرون فرصة أخرى للحياة؟.. أليس ذلك ثوابا عظيما يغفر للضحايا ولأسرهم ذنوبهم ويخلد ذكراهم؟. ألا يعني هذا أن الموت ليس نهاية أقرب الناس إلينا؟.. فكروا في الأمر وستكتشفون أننا في هذه القضية على خطأ.. فإن تمتد حياتي عبر غيري أفضل من أن تنتهي نهاية مؤسفة موحشة بلا ذكرى أو امتداد. ـ كاتب مصري