ترى ما هي صفات الاشخاص السباقين، الذين لديهم الشعور المرتفع بالمسئولية، والذين تقودهم خطواتهم الى النجاح في مهماتهم المتعددة؟ وكيف يرضى المرء عن نفسه ويشعر انه حقق العديد من الانجازات، والنتائج المتميزة؟ هذه الاسئلة العميقة تصدى للاجابة عنها عالم النفس الشهير (ماسلو) حين حدد اشهر الصفات التي تميز هؤلاء السباقين، من خلال مقياس عالمي وضعه ليكون مرآة لكل فرد ليعرض نفسه امامها، ويرى من خلالها درجة الاقتراب او البعد عن تلك الصفات الفريدة. الصفة الاولى لاولئك الاشخاص انهم يدركون الحقيقة بكفاءة، ويستطيعون تحمل التأرجح بين الشك واليقين. ومن شأن هذه الصفة الشجاعة ان تنقل اصحابها من موقف الاستماع السلبي، والمشاهدة الصامتة المصحوبة بتكرار ما يتناقله الناس الى موقف البحث والتقصي، والمقارنة بين الادلة واستنباط الاحكام، ثم الوصول الى الحقيقة واتخاذ الموقف الشخصي الذي يتناسب معها. مما يؤكد حرص مثل هذه الشخصية على الوصول الى الحقيقة، والاجتهاد في التعرف عليها، والاحتفاء بها، دون الركون الى ما يقوله الآخرون، وما يرددونه. الصفة الثانية للاشخاص المحققين لذواتهم هي انهم يتقبلون ذواتهم كما هي، والآخرين كما هم. ومعنى ذلك انهم لا يحدثون صراعا داخليا مع انفسهم، ولا يصطدمون مع صفة شكلية خلقت معهم ولم يكن لهم يد فيها. وتقبل الذات يشمل عناصر متعددة منها تقبل الجنس والعائلة، واللون، والمواصفات الجسمانية من الطول او القصر او الهيئة العامة التي يبدو عليها الانسان. والاشخاص المتفوقون على التحديات والعقبات المادية التي تحيط بهم من حولهم، هم اكثر قدرة واستطاعة على ان يتفوقوا على اي نوع من القصور او الضعف قد يظنه سواهم عقبة كأداء بينما يرونه هم سببا مباشرا للمزيد من التحدي والانجاز ومضاعفة مساحة النجاح في المهمات الصعبة. وكم سمعنا عن معاقين فاقوا الاصحاء، وعن مصابين بأمراض شتى فازوا في سباق اثبات الذات، وحققوا من الانجاز ما عجز عنه اهل العافية، والمميزات الجسمانية المتقدمة. وحين يركز عالم النفس ماسلو على اهمية تقبل الذات فإنه يقرن به ميزة اخرى ترتبط به، وتتوافق معه وهي قوله «ويتقبلون الاخرين كما هم» بمعنى ان لديهم مساحة نفسية هائلة لإعذار الناس، وتفهم طبيعة اوضاعهم النفسية والوظيفية وانتماءاتهم العرقية والدينية واتجاهاتهم المتباينة دون ان يؤثر هذا على نوعية الارتباط بهم، او يمس جوهر التعاون الانساني معهم. انها مساحة من التعايش الذي يرتفع فيه رصيد الاحترام للآخرين بغض النظر عن مواقفهم والزوايا التي ينظرون اليها للأشياء، حيث ان العلاقة التي تجمع بين الاشخاص المتميزين وهؤلاء الناس ليست علاقة مشروطة، ولا محكومة بموقف سابق يفرض على الناس الزاوية التي ينظرون منها، والصورة التي يظهرون عليها. اما الصفة الثالثة التي اشار اليها العالم ماسلو للأشخاص الناجحين فهي انهم تلقائيون في تفكيرهم وسلوكهم. فليس ثمة مكان للتكلف والتمظهر الكاذب بصفة ليست فيهم، وليس هناك اية مساحة للشعور بالاستعلاء على الناس، او النظر اليهم من برج عاجي. كما انهم لا يستخدمون اي مكبر ينظرون من خلاله الى اخطاء الناس. انهم اشخاص أسوياء، أصحاء النفوس، ليس لديهم اي سبب يدفعهم ليتخلوا عن البساطة والتلقائية بعد ان وجدوا ان الاشتغال بتجويد الاعمال يكفي ليكون بطاقة التقديم القادرة على جلب احترام الآخرين دونما حاجة الى التصنع والتكلف والادعاء الكاذب. ومع الصفات الاخرى التي تحدث عنها (ماسلو) على انها صفات الاشخاص السباقين، نواصل الحديث في الغد بإذن الله.