ربما لا يعرف الكثير من الناس اين تقع جزيرة موريشيوس.. وهل هي في بحور آسيا أم افريقيا؟! واعتقد ان ذلك امراً طبيعياً وهو في كل الاحوال ، ليس عيبا، فهناك اعداد لا تحصى من الجزر منتشرة في انحاء العالم.. ولكن المثير في هذه الجزيرة التي تقع في المحيط الهندي على بعد 2000 كيلومتر من الشواطيء الجنوبية الشرقية لقارة افريقيا انها بالفعل جنة استوائية تجمع بشكل رائع حقول قصب السكر التي تشكل 90% من المساحة المزروعة للجزيرة والجبال الشاهقة والشواطيء الرائعة. وبالتأكيد لن اطيل في وصف هذه الجزيرة التي تسمى جزيرة الاحلام، وسأترك هذه المهمة لطيران الامارات التي ستسعى خلال الفترة المقبلة لتسويق وجهتها الجديدة والترويج لها بعد ان افتتحت خطاً مباشراً للطيران الى هذه الجزيرة دون توقف. .. فور وصولنا الى هذه الجزيرة واثناء انتقالنا الى الفندق طلبنا من المرشدة السياحية اعطاءنا لمحة تاريخية عن الجزيرة فالتفتت الينا وقالت: هل تعلمون من هم الذين اكتشفوا هذه الجزيرة وعاشوا فيها؟! طلبنا منها اعطاءنا عدة خيارات حالنا حال جميع المشاركين في مسابقة ملايين جورج قرداحي أو حتى جميع المسابقات التلفزيونية والاذاعية.. لكنها لم ترضخ للطلب، وقالت: هم اجدادكم العرب ألا تعرفون تاريخ اجدادكم؟!! .. وبالفعل كان للعرب السبق في اكتشاف موريشيوس كما كان لهم الفضل في اكتشاف جزيرة سيشل وعدد من جزر تلك المنطقة من العالم.. وكان للعرب تاريخ حافل بالانجازات ابتداء من اسبانيا الى زنجبار.. تاريخ منذ «يازمان الوصل بالاندلس»، وحتى «يانا الهوى يانا من زنجبار»!! .. وبمثل ما توارت الاندلس عن انظار العرب وخرجوا منها الى غير رجعة، حصل ذلك في موريشيوس لدرجة ان معظم المراجع ومواقع السياحة عبر الانترنت لا تشير الى اي دور للعرب في اكتشاف الجزيرة ويرجع الفضل في ذلك الى الهولنديين الذين وصلوا اليها في القرن السادس عشر، بينما تؤكد الحقائق التاريخية ان موريشيوس وردت على خرائط البحارة والتجار العرب منذ القرن العاشر الميلادي.. وشهد شاهد من اهلها على ذلك ـ وأي شاهد ـ هو رئيس الجمهورية خلال لقائنا به قال: عندما جاء التجار العرب الى الجزيرة لم يكن بها احد من البشر اطلاقاً، فسكنوا بها، واصبحت مركزاً لانطلاقتهم نحو افريقيا.. وبالرغم من ان العرب لم يتركوا اي اثر يدل عليهم في موريشيوس من حيث اسماء المناطق أو الكلمات المستخدمة إلا ان الاسلام بقي في الجزيرة، واصبح المسلمون يشكلون اليوم 17% من السكان الذين يصل عددهم الى 1.2 مليون نسمة، ومن الطبيعي جداً ان تجد المساجد منتشرة وتسمع الاذان في انحائها عند كل صلاة. اما الخلفيات التاريخية لهذه الجزيرة فهي تشير الى تعاقب المستعمرين عليها ابتداء من الهولنديين في القرن السادس عشر وهم أول من ادخل زراعة قصب السكر اليها، ثم هجروها ليحتلها الفرنسيون، واطلقوا عليها اسم «ايل دو فرانس» ولم يلبث البريطانيون ان احتلوها عام 1810 واسموها موريشيوس، وتم آنذاك استيراد عمال بعقود من الصين والهند للعمل في الجزيرة، ثم تبعهم تجار من الجنسيتين، وقد نالت الجزيرة استقلالها عن بريطانيا عام 1968 وفي عام 1992 تحولت الى جمهورية واصبح هؤلاء العمال والتجار الهنود والصينيون يشكلون جزءاً رئيسياً من السكان واصبح بذلك شعب موريشيوس خليطاً من الافارقة الاصليين والهنود والصينيين اضافة الى بعض الفرنسيين، وبالرغم من ان اللغة الانجليزية هي الرسمية إلا ان الفرنسية، والكريولية المحلية تنتشران على نطاق واسع، فمن العادي جدا ان تجد امامك في الجزيرة شخصاً يحمل الملامح الاسيوية يتحدث اليك بالفرنسية او الكريولية ويقول لك: انا من موريشيوس!! وبما ان موريشيوس ادركت منذ فترة ليست بالقليلة اهميتها السياحية، واصبحت وجهة رئيسية لحوالي مليون سائح 40% منهم من دول اوروبا، فقد اولت الحكومة لهذا القطاع الذي يعتبر المصدر الرئيسي الثالث للدخل اهتماماً كبيراً حيث عملت على انشاء المرافق السياحية المتكاملة وتقديم الخدمات الراقية للسياح، ورفعت شعار «السائح هو الأهم دائما» وبالتالي فقد اشتهر شعب موريشيوس بادماجه ثلاث صفات رئيسية اكتسبها من ثلاثة شعوب، حيث اصبح الجميع يحرص على اتباع «الاتيكيت» الفرنسي، وتقديم «الخدمة» الاسيوية وتنفيذ الاوامر و«الطاعة» الافريقية!! .. ومن الامور الغريبة في هذه الجزيرة ان اي مشوار يريد الانسان قطعه بين منطقتين لايقل ابداً عن 45 دقيقة بالسيارة مع ان مساحة الجزيرة الاجمالية لاتتعدى 1868 كيلومتراً مربعاً ، والسبب يعود الى شوارعها الضيقة التي تتوسط حقول قصب السكر، ثم الى نظام شق الطرق الغريب حيث يضطر السائق للوصول الى مفترق الطرق في منتصف الجزيرة، ومن ثم يتوجه الى المنطقة التي يريدها حتى لو كانت تلك المنطقة محاذية للاولى!! .. المهم في الموضوع ان موريشيوس جزيرة جميلة ومن المتوقع ان تكون وجهة سياحية تحظى باقبال جيد من المواطنين والمقيمين ودول المنطقة خاصة بعد افتتاح الخط المباشر من قبل طيران الامارات، على الاقل حتى نذكر اهل تلك الجزيرة بأجدادنا الذين اكتشفوا هذا المكان!! ونعود الى المرشدة السياحية التي ذكرتنا بتاريخ العرب حيث تؤكد اننا ومع علم الجميع بأننا اكثر شعوب العالم نتغنى ونتفاخر بتاريخنا العريق، إلا اننا الى اليوم لم نستفد ابداً من دروس التاريخ وتجاربنا معه، فبسبب ذلك خسرنا الاندلس، وبسبب ذلك ايضا خسرنا زنجبار، واليوم لم نكتف بخسارة الاراضي التي سيطرنا عليها في يوم من الايام بل نسعى بأيدينا واسناننا ألا نخسر اراضينا التي نعيش عليها.. ويعود السبب في ذلك ايضا الى التاريخ الذي لم نستطع قراءته جيداً حتى اليوم!