لقد استشفت مختلف المخابر ومؤسسات البحث ملامح المجتمع الاعلامي الجديد منذ ربع قرن وتوصل الباحثون جميعاً الى استنتاج واحد وهو ان عهداً اخر قد حل وسيكون بناءه بمشاركة كافة الاطراف بما في ذلك منظمات المجتمع المدني، التي ستساهم بقسط وافر في رفع التحديات المنتظرة وهي عديدة متناقضة احياناً مع ما سبقها، كما ان مفهوم العمل الخيري اكتسى مضامين لم تكن معهودة، فالخير اليوم في المساعدة على رفع الامية الرقمية والخير في مجابهة الفجوة الالكترونية والخير في التدريب على استعمال وسائل حديثة من شأنها دعم الرزق واستحثاث الرحمة. وستضطلع الجمعيات الكبرى بدور ملموس في تشغيل العديد من الطاقات وستنشط اقتصادياً في الكثير من المجالات، كما ان الكثير من الجمعيات غير المشغلة ستساهم بقدر كبير في تهيئة الارضية الملائمة لازدهار مهن جديدة ونماذج متطورة للعمل وستشارك بحجم ملموس في مختلف مجالات الانتاج والاستثمار والتكوين والاعلام. وسنحاول فيما يلي التعريف بالآليات الجديدة التي ستساعد على توسع نشاط المنظمات غير الحكومية ونتعرف على مظاهر النشاط التي ستتخصص فيها مكونات المجتمع المدني. الآليات الجديدة للمنظمات الأهلية: يقوم مشروع الطريق السريعة للمعلومات والاتصال بالاعتماد على الشبكات التفاعلية ذات الدفق العالي والنطاق الواسع، كما انه سيتجسم بالتقاء المعلوماتية والهاتف والتلفزيون ومزج الصور المتحركة مع الصوت والنص المكتوب والمعطيات الرقمية. ومن المنتظر ان تمر هذه الطريق بكل بيت وان تدخلها عبر جهاز الحاسوب والتلفزيون والشاشة حيث سترتبط عالمياً اغلب العائلات والمنظمات الاهلية بشبكة الانترنت قبل سنة 2020. وبذلك سيتيسر تبادل المعلومات في اي مكان وبمختلف الاشكال، وستساعد الوسائط الاعلامية مهما بعدت المسافة على انجاز الكثير من الخدمات في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كما سيصبح بالامكان توظيف هذه التجهيزات في مجالات السياسة والدبلوماسية والدفاع الوطني وغيرها. وتتمثل المشاريع النموذجية التي ظهرت لتحقيق هذه الاهداف في تكثيف تدفق الاعلام وتبادل البيانات واختيار المشاريع التي تتكامل فيها الفوائد الاقتصادية والاجتماعية وتساعد على بروز اسواق واسعة لتبادل المنتجات الثقافية الجديدة وخلق حاجات غير معهودة لدى المستهلك. ومن الوسائل التي ستبرز اكثر من غيرها في نشاط المؤسسات والجمعيات يمكن الاشارة الى البريد الالكتروني (électronic mail) ونظام المحاورة عن بعد (visioconférence)، ذلك ان الوثائق والمعلومات سوف تتخلص تدريجياً من الورق الذي اصبح معرقلاً لكثافة تدفقها، وبالتالي فإن النشاط الذي كان يعتمد على الورق والتوزيع المكثف للوثائق المكتوبة هو الذي سيكسب اكثر من غيره بما توفره الشبكات الالكترونية من سرعة وجدوى وانخفاض في التكلفة. فالمراسلة الالكترونية ستيسر التوزيع على عدد كبير من الاطراف المعنية والابلاغ الآلي للمعلومات المخزنة الى من يرغب فيها، كما انها ستساعد على جمع التبرعات والربط السريع بين الاعضاء المشاركين. ومثل هذه الامكانيات من شأنها ان تفتح آفاقاً فسيحة لتطوير العمل الجمعياتي وتكثيفه. وقد يطول تعداد اوجه الاستعمالات الممكنة ولكل ان يوظفها بحسب حاجاته او تصوراته وطبيعة العمل الملائمة لنوع نشاطه. وفيما يتعلق بالمحاضرة عن بعد فإننا لن نقتصر مستقبلاً على ارسال النص المكتوب او الصورة غير المتحركة، فمواعيدنا الثنائية والجماعية ستكون عبر جهاز الحاسوب باقتسام الشاشة بين المتحاورين وسيكون في متناول الطرفين تبادل مختلف المعلومات والآراء والمشاركة في تحرير البلاغات والنصوص في اتجاه او آخر وفي كل مكان، دون حاجة الى تجهيزات كبرى او شبكات خاصة. لقد اصبحت الجمعيات الغربية بمختلف تخصصاتها واهدافها تعتمد على شبكة الانترنت باعتبارها مصدراً ثرياً للاخبار التي تتصل بنشاطها مثل وقائع المؤتمرات المهمة، والوثائق التي تنشرها الوزارات، والاحصائيات حول التعليم والصحة وغير ذلك من مشاغل الحياة. فقد اعتمدت هذه المنظمات شبكة الانترنت لتنظيم برامج تثقيفية لأعضائها ولشرائح اجتماعية معنية بنشاطها من اجل ابلاغها مختلف المعلومات المتعلقة بسير الجمعية بملفاتها وبمشاريعها وبرامجها. كما ان تجديد الاشتراك في اي منظمة ودفع المعلوم السنوي عبر الانترنت قد اصبح امراً متيسراً ومن شأن ذلك توفير وقت كبير ومردود اكبر. وبطبيعة الحال فإن الجمعيات العربية اصبحت تستفيد من هذه التقنيات من خلال مواقعها على الانترنت، بحيث يمكن للعضو المشارك ان يتحاور مع زملائه وهو في بيته ويطلع على الرسائل الموجه اليه ويشارك عن بعد في الاجتماعات وسيساعد ذلك الهيئات التنفيذية للجمعيات على التخلص من الاشكاليات العديدة التي تواجهها يومياً والتي تتمثل في صعوبة الاتصال بالمشتركين والتوزيع البريدي البطيء ومصاريف الطباعة الخ.. وبصورة عامة فإن نظام التحاور عن بعد والمحاضرة عبر الشبكات (visiophonie) سيصبح العنصر الحاسم في تنشيط الجمعيات التي يرتكز نشاطها على الاجتماعات العامة والاتصال المسترسل بالجمهور والتي ستضطلع بدور كبير في تنمية الاقتصاد اللامادي. المجالات المحورية للاقتصاد اللامادي لقد احدث الاقتصاد اللامادي انعكاسات متعددة في الوقت ذاته على الفرد والمؤسسة والادارة والجمعية وقد يغطي خمسة مجالات محورية من الضروري ان تنصهر ضمنها بصفة متناسقة وتدريجياً المؤسسات واصحاب الكفاءات والمستعملين وهي: اولاً: ميدان التبادل الالكتروني للمعلومات. ثانياً: ميدان تبادل الخبرات والخدمات عبر الطرق الالكترونية ثالثاً: الدفعات الالكترونية على الخط. رابعاً: الانشطة عن بعد. خامساً: تطوير الذكاء واستغلاله وتقاسمه. ففي خصوص تبادل المعلومات الالكترونية، اصبح الانخراط بشبكة الانترنت من الحاجيات الاساسية للجمعية وللمؤسسة والمواطن عموماً اذ ان استعمالها اضحى شرطاً من شروط كسب القدرة الاضافية من حيث الكلفة والسرعة الى جانب الامكانيات المتاحة لتطوير التشغيل والتصدير. اما المجال الثاني فهو يتعلق بتبادل الخبرات والخدمات عبر الطرق الالكترونية حيث عرف رقم معاملات التجارة الالكترونية في العالم اي البيع والشراء عبر الانترنت انفجاراً فاق كل التوقعات وتبين ان شبكة الانترنت خلقت سوقاً عالمية لتجارة السلع والخدمات لم يسبق له مثيل من قبل ويمكن للتنظيمات المهنية ان تلعب دوراً مهما في تنظيم هذا النشاط الجديد. ويتصل المجال الثالث بالدفعات الالكترونية عبر الانترنت وهي حلقة اساسية لتطوير التعامل في الاقتصاد اللامادي وتمثل مجالاً واسعا لتنمية خدمات ومهن جديدة ذات قيمة مضافة عالية وسيسمح ذلك بتكثيف المواقع الاقتصادية وتنمية رقم معاملاتها وتيسير تسجيل الطلبة في الجامعات الخ.. كما سيتيح هذا النظام الجديد للجمعيات فرصا كبيرة للاستفادة من هذه الخدمات والآليات كتجديد اشتراك الاعضاء وتوزيع النشرات وابلاغهم آخر المعلومات المتصلة باجتماعاتها وبرامجها. اما الهدف الرابع فهو يتصل باحداث انماط جديدة من العمل حيث اصبح العمل عن بعد يشهد حركة متسارعة اذ ان الملايين من العملاء والأطر يمارسون نشاطهم عن بعد بمؤسسات متواجدة بمختلف انحاء العالم، وقد برزت في السنوات الاخيرة خدمات على الخط في بعض الاختصاصات تتطلب خبرات عالية غير متوفرة بالقدر الكافي وتطورت من جهة اخرى خدمات متعددة في هذا الاتجاه ويتطلب هذا النشاط قدرا كبيراً من المرونة وقد تقدر الجمعية اكثر من المؤسسة على التفاعل مع الطلب في هذا المجال وكما ستكون المرأة العربية في مقدمة المستفيدين من هذه الوسائل الحديثة. ويخص المجال الاخير تطوير الذكاء واستغلاله وتقاسمه وذلك عن طريق توفر وسائل تكنولوجية للمتعاملين عبر الشبكة للتحصيل على الحلول للاشكاليات المطروحة بفضل وجود مزودي خدمات الذكاء ويمكن للجمعيات العلمية ان تستفيد كثيراً من هذه الآليات في مجالات البحث العلمي والتدريب وجمع التبرعات. 3ـ دور متميز للجمعيات أ) مجالات جديدة للنشاط الجمعياتي: ان العمل الجمعياتي في مجتمع المعلومات سوف يكتسب مظاهر جديدة ومتنوعة في النظام الاقتصادي الجديد كما انه سيتم بخصوصيات متفاوتة حسب مستويات الممارسة والنشاط. ويتضح من جل الدراسات المتعلقة ببناء مجتمع المعرفة ان الوضع يتجه نحو اعادة توزيع الادوار بين مختلف الاطراف الاجتماعية بحيث: تضطلع المصالح الحكومية من الصلاحيات ومن ذلك: ـ السهر على تماسك العمل بين القطاعات والتنظيمات الكبرى، استحثاث المبادرة في مجالات الاستثمار والتصدير والبحث والدراسات من خلال التراتيب التشريعية والحوافز الجبائية والتشجيعات المختلفة، التخطيط الشامل وانشاء البنى التحتية، ضمان سلامة تبادل المعلومات وشبكات التوزيع وتأمين مسالك تداولها، تأمين نظم الدفعات الالكترونية وحماية حقوق الملكية الفكرية، التحاور مع الحكومات الاجنبية لتنسيق وتحديد اطار المشاركة والتعاون في وضع الاتفاقات الدولية. أما القطاع الخاص فيتعين عليه ان يركز نشاطه على: ـ تكثيف صناعات الاتصال، انتاج وتوزيع وتسويق البرامج، القيام بتطوير الخدمات عن بعد وتسويقها للعموم. بينما يركز المجتمع المدني والجمعيات على: ـ مواكبة تطور النشاطات الاتصالية التي يفوت فيها القطاع العام لفائدة القطاع الخاص والمشاركة في ايجاد الحلول الميسرة لهذا الانتقال. ـ اسناد القروض الصغيرة للمشاريع المتصلة بالاستثمار في الاقتصاد اللامادي. ـ مساندة برامج التعليم المرتكزة على تقنيات الاتصال الحديثة، وتقريب المربيين من التلاميذ وهم في بيوتهم، ـ ربط الصلة بين جمعيات التنمية المدرسية والمراكز المحلية للانترنت. ـ تدريب الاطر وأعوان الجمعيات على استعمال الانترنت والتعامل بينهم ومع مختلف مخاطبتهم عبر الشبكات الالكترونية. جمع الموارد لتمكين التلاميذ المعوزين من الارتباط بالشبكات الالكترونية، وتكثيف الصلة بين المقبلين على المكتبات الالكترونية والمتاحف. ـ توظيف المعوقين بعدد رفيع في مجالات كثيرة. ـ المساهمة في اعمال الرعاية الاجتماعية باعتبار ما تفرزه العولمة الاقتصادية من اشكاليات وما ينتج عن تدفق الخدمات عبر الحدود من انعكاسات. ـ المشاركة في حماية حقوق المستهلكين والمنتجين للخدمات الجديدة والتي لا تدخل في اهتمامات الهياكل القائمة اليوم. ب) الفرص الجديدة للتشغيل في قطاع المجتمع المدني: يمكن حصر تدخل الجمعيات في مجالات التشغيل عبر مستويين مباشر وغير مباشر وينتظر ان تتمثل هذه المبادرات خلال السنوات المقبلة في: ـ اعداد مشاريع الشراكة بين القطاعات الثلاثة والمشاركة في انجازها طبقا لما يتسنى من مرونة وتسهيلات. ـ التعريف بالتظاهرات الثقافية ومختلف عناصر التراث. ـ تقديم المواقع الاثرية والسياحية ومختلف المهرجانات والمشاركة في تنظيم عمليات الحجز وبيع التذاكر عن بعد. ـ المساهمة في دعم المسار الديمقراطي والسعي الى المزيد من التفاعل بين المواطن والبلدية ومختلف المصالح الادارية. ـ تنشيط الجمعيات المدرسية داخل مختلف المناطق وربطها بمراكز الانترنت. ـ انتاج برامج التعليم عن بعد: (برامج تعليمية، تثقيفية، وقائية، ترفيهية) بالتكامل مع الجامعات وجمعيات الاتصال والتربية. ـ انتاج اقراص الليزر (CD.ROM) حول برامج تربوية ودروس علمية. ـ صيانة اجهزة الحاسوب وتقديم خدمات مشابهة للمنظمات الاهلية والعائلات. ـ فتح مراكز عمومية للانترنت لفائدة الشباب. ـ تقديم خدمات مطبعية، كتابة النصوص، التسفير، نسخ، اقراص الليزر). ـ التكوين وتدريب الطلبة والتلاميذ على الحاسوب واستعمالات الانترنت. ـ تعزيز طاقة الجمعيات المشغلة في المجالات التنموية وتسديد القروض الصغرى ومساعدتها على التصرف الاداري والمالي. ـ فتح مواقع على الانترنت للخدمات الجمعياتية واصدار نشرات الكترونية اعلامية لفائدة الجمعيات. قد يبلغ عدد المنتفعين في هذه البرامج 50% من مجموع تلاميذ الابتدائي والثانوي والعالي و20% من الاولياء في مختلف المجتمعات العربية. ولتجسيم هذه التطلعات، وتحقيق هذا العدد من فرص العمل فإنه يتعين تخصيص اعتمادات وطنية من ميزانية الدولة لاستحثاث الجمعيات على المبادرة وتمكينها من امتلاك الحواسيب الالكترونية وتمويل الدورات التدريبية والتكوينية وربط هذه الجمعيات بالانترنت. ان هذه الامثلة ما هي الا نماذج من النشاط الذي يمكن للجمعيات ممارسته في مختلف التخصصات وما هذه المعلومات الا مؤشرات عامة لعلاقة الجمعيات بمجتمع المعلومات اضافة الى دورها المتميز فيمايتصل بعلاقاتها مع مختلف الشرائح الاجتماعية من الطفولة على العجز وذلك فضلا عن استعمالات شبكة انترنت لتكثيف صلات التعاون والتكامل بين الجمعيات المجاورة والمتجانسة. وذلك اضافة الى ما يمكن تقديمه في مجال تكثيف الحوار بين الحضارات ومعالجة مظاهر الفجوة الرقمية والمشاركة في المؤتمرات العالمية الهادفة الى مقاومة الفقر والتشرد. ان المجتمع العربي كغيره من المجتمعات سوف يستفيد من شبكات الاتصال وهو ينتظر الكثير من المنظمات غير الحكومية والجمعيات الاهلية من حيث تكثيف الحوار وتدعيم روح التآزر والتضامن وترسيخ التعددية الفكرية وفتح قنوات جديدة للمساهمة في الخلق والابداع. على ان انتشار هذه الشبكات وتطور نوعية الخدمات الاعلامية لا يخلو احيانا من السلبيات ولذلك فإن للجمعيات والمنظمات غير الحكومية دورا حاسما في مجابهة مظاهر الانحراف من خلال المشاركة في وضع الادبيات ومواثيق الشرف الملائمة والسهر على احترام هذه التدابير. وفي ذلك كله عمل خيري متميز لم يكن يعرف سابقا وكل الشرائح الاجتماعية البائسة في حاجة ملحة اليه والجمعيات الخيرية مطالبة بالتحرك في اتجاهه استنادا الى ممرات وأساليب حديثة للنشاط الفاعل. ـ كاتب تونسي