على وزير الداخلية الفلسطيني عبدالرزاق اليحيى ألا يلوم إلا نفسه اذا اتهمه شعبه بأنه قد تبنى الاجندة الاسرائيلية الاميركية، فالوزير يدعو الفلسطينيين جميعا الى نبذ المقاومة الوطنية نهائيا ودون رجعة ليكتفوا بما اسماه «الكفاح السياسي». ولو كانت السلطة الفلسطينية التي يمثلها الوزير تتوفر لديها حتى مجرد الارادة، فضلا عن القوة، لحماية الاسر الفلسطينية من الاعتداءات اليومية التي تقوم بها القوات الاسرائيلية من قتل عشوائي لا يوفر حتى الاطفال والنساء وتدمير منازل وتنفيذ اغتيالات في صفوف الكوادر النشطة واحراق مزارع ربما جاز للوزير ان يطالب فصائل المقاومة بالقاء السلاح على اساس ان قوات السلطة الفلسطينية تتكفل بعبء صد الاعتداءات الاسرائيلية. وهنا نصادف مفارقة، فحتى لو توفرت لقيادة السلطة ارادة وطنية قوية لمواجهة القوات الاسرائيلية فانها لا تملك ادوات القوة القتالية واللوجستية بأي حد ادنى لان قوات شارون دمرت بنيتها التحتية بالكامل فتركتها بلا سلاح وبلا شبكة اتصالات وحتى بلا مقار ومكاتب. واذا كان وزير الداخلية لا يستطيع ـ او لا يريد ـ ان يعي مغزى هذا الوضع فان عليه ان يلتزم السكوت على الاقل، فالمغزى هو ان الشعب الفلسطيني كله بأجياله المتعاقبة وفئاته العمرية المتفاوتة عدو ثابت ومستديم للآلة العسكرية اليهودية، تستوى في ذلك سلطته الوطنية مع فصائل المقاومة والنساء مع الرجال، والاطفال مع الشيوخ، هدف شارون باختصار هو اجتثاث الشعب الفلسطيني ومحوه من على وجه الارض. وحيث انه لا يمكن ان يعقل اطلاقا ان هذه الحقيقة غائبة عن ذهن الوزير عبدالرزاق، لانها اولا ماثلة ومرئية، ولانها ثانيا سياسة شارونية معلنة، فان دعوته الى تصفية المقاومة الفلسطينية يجب ان تكون محل ريبة. واولى علامات الريبة ان الوزير يستعير اللغة الاسرائيلية الاميركية في سياق الحديث عن الانتفاضة الفلسطينية فهو يطلق عليها اسم «عنف» كما يفعل ارييل شارون وجورج بوش، ومن ثم تحيط الريبة بكل العبارات التي يبدو ان الوزير انتقاها مسبقا.. فهو يقول ان «الهجمات» الفلسطينية على الاسرائيليين «تضر بالنضال من اجل دولة فلسطينية». وفي سياق هذه الدعوة المريبة يبدو الوزير وكأنه يدعو الشعب الفلسطيني، لا الى القاء السلاح فحسب، بل الاستسلام الكامل الشامل. فالتوقف عن المقاومة النشطة يجب ان يشمل حتى مجرد القاء الحجارة! ولنتساءل: ما هو البديل النضالي الذي يقترحه وزير الداخلية الفلسطيني على شعبه؟ انه يقترح شيئا غامضا ومبهما يطلق عليه «الكفاح السياسي» واذا كان لهذه العبارة العجيبة اي معنى فلن يكون سوى دعوة قطاعات الشعب الفلسطيني الى عقد ندوات ومحاضرات وحلقات نقاش بينما تواصل قوات الاحتلال تكريس الاحتلال ويتفرغ ارييل شارون لتوسيع المستوطنات ببناء المزيد منها او التوسع في المستوطنات القائمة. هل يحق للوزير عبدالرزاق اليحيى بعد ذلك ان يلوم احدا لو اعتبره قادة المقاومة مبشرا بالاجندة الاسرائيلية الاميركية؟ وفي هذا يقول احد قيادات تنظيم «الجهاد الاسلامي» الفلسطيني ان تصريحات الوزير «تعكس ما تريده اسرائيل والولايات المتحدة». ومن المثير ان تصريحات الوزير الفلسطيني سبقتها مقابلة اجرتها معه صحيفة اسرائيلية دعا فيها الفلسطينيين الى الكف عن العمليات الاستشهادية. وعلى خلفية الجرائم الدموية اليومية التي تواصل القوات الاسرائيلية ارتكابها في غزة ومدن الضفة الغربية بضراوة ووحشية يندر نظيرها في التاريخ المعاصر فان حديث الوزير اليحيى لا يمكن ان يؤخذ بأي درجة من البراءة.. خاصة انه الرجل الذي تأتمر بأمره الاجهزة الامنية التابعة للسلطة الفلسطينية. ومما يجتذب الانتباه في هذا الصدد ان فرق الاغتيال الاسرائيلية الخاصة حققت خلال الاسابيع الاخيرة نجاحا غير مسبوق في اصطياد الكوادر القيادية في كافة فصائل المقاومة، ومن المعلوم ان من المستحيل تنفيذ مثل هذه العمليات بمستوى عال من الدقة الا بالاعتماد مسبقا على معلومات استخباراتية موثوق بها تماما من جهة مطلعة، فهل تكون هذه الجهة المطلعة هي بعض من الاجهزة الامنية للسلطة الفلسطينية؟ انه سؤال يفرض نفسه بالحاح شديد.