قيل كان رجل من أهل الكوفة قد بلغه عن رجل من أهل السلطان انه يعرض ضيعة له بواسط في مغرم لذمه للخليفة، فحمل وكيلا له على بغل وأترع له خرجاً بدنانير، وقال له: اذهب الى واسط فاشتر هذه الضيعة المعروضة، فإن كفاك ما في هذا الخُرج وإلا فاكتب اليّ أمدك بالمال. فخرج، فلما أصحر عن البيوت، لحق به اعرابي راكب على حمار معه قوس وكنانة فقال له: إلى أين تتوجه؟ فقال: الى واسط. قال: فهل لك في الصحبة؟ قال: نعم. فسارا حتى فوزا. فعَنت لهما ظباء، فقال له الاعرابي: أيّ هذه الظباء أحب اليك؟ المتقدم منها أم المتأخر فأزكّيه لك؟ قال له: المتقدم. فرماه فخرمه بالسهم، فاقتنصه فاشتويا وأكلا. فاغتبط الرجل بصحبة الاعرابي. ثم عنتْ لهما زُفةُ قَطا، فقال: أيها تريد فأصرعها لك؟ فأشار الى واحدة منها. فرماها فأقصدها، ثم اشتويا وأكلا. فلما انقضى طعامهما فوق له الاعرابي سهماً ثم قال له: أين تريد ان أصيبك؟ فقال له: اتق الله واحفظ زمام الصحبة. قال: لابد منه. قال: اتق الله ربّك واستبقني، ودونك البغل والخُرج فإنه مترع مالاً. قال: فاخلع ثيابك فانسلخ من ثيابه ثوباً ثوباً حتى بقي مجرداً. قال له: اخلع أمواقك، وكان لابساً خفّين مطابقين. فقال له: اتق الله في ودعْ لي الخُفّين أتبلغْ بهما من الحر، فإن الرمضاء تحرق قدميّ. قال: لابد منه. قال: فدونك الخف فاخلعه. فلما تناول الخف، ذكر الرجل خنجراً كان معه في الخف، باستخرجه ثم ضرب به صدره فشقّه الى عانته، وقال له: «الاستقصاء فرقة» فذهبت مثلاً. ـــــ ثمن الجار قيل ان جاراً لأبي دُلفٍ ببغداد لزمه كبير دَين فادح حتى احتاج الى بيع داره فساوموه بها، فسألهم ألفي دينار، فقالوا له: ان دارك تساوي خمسمئة. قال: وجواري من أبي دلفٍ بألف وخمسمئة. فبلغ أبا دُلف، فأمر بقضاء دينه، وقال له: لا تَبعْ دارك ولا تنتقل من جوارنا. ـــــ أشعر من الشعر أقبل اعرابي على داود بن المهلب فقال له: إني مدحتك فاستمع. قال: على رسلك (تمهل)، ثم دخل بيته وتقلد سيفه وخرج، فقال: قُلْ، فإن أحسنتَ حَكمْناك، وإن لم تُحسن قَتلناك. فأنشأ يقول: أمِنتُ بداودٍ وجُودِ يَمينهِ من الحَدَثِ المخْشِي والبؤس والفقر فأصبحتُ لا أخشى بداودَ نَبْوةً من الحَدَثان إذ شددتُ به أزْرِي فَتيً تَفْرَقُ الأموالُ من جُودِ كَفهِ كما يَفْرَقُ الشيطانُ من ليلةِ القدرِ فقال: قد حكمناك، فإن شئتَ على قَدْرِكَ، وإن شئت على قَدْري. قال: بل على قَدري، فأعطاه خمسين ألفاً. فقال له جلساؤه: هلا احتكمتَ على قدْر الأمير! قال: لم يكُ في ماله ما يَفي بقَدره. قال له داود: أنتَ في هذه أشعر منك في شعرك. وأمرَ له بمثلِ ما أعطاه.