من اجل القاء المزيد من الاضواء على الفكر العنصري الذي يحكم العقلية الغربية نستدعي احد النصوص التي سجلت تلك الحقيقة بكلمات واضحة الدلالة على سيطرة العقدة العنصرية في اذهان الغربيين لفترة طويلة من الزمن!! فقد كتب «هيوم» في القرن الثامن عشر ما يلي: «انا اميل الى اتهام الزنوج بانهم اقل من البيض، فلا توجد هناك أية امة متحضرة غير امة البيض لها صفة التقدم. كما انه لا يوجد بها اي انسان ذي فكر متقدم. ولا توجد بها صناعات متقدمة، ولا توجد علوم، ولا آداب.. في جاميكا يتحدثون عن رجل من الزنوج على انه رجل الكفاءة والعلم، ولكن من الواضح ان الناس تعجب به لانجازاته التافهة مثل الببغاء التي تتحدث ببعض الكلمات القليلة بسهولة». ومن اجل هذا التكييف الفج للفكر العنصري، وللخيال المريض الذي يداعب عقول التجار والمستثمرين وارباب المهن المعقدة، تم اجبار « 9» ملايين افريقي على جمع ومعالجة المطاط من اجل خدمة المقاولين الاوروبيين!! كما تم توظيف البحوث النفسية في خدمة الاطماع الاستعمارية في حين كان يفترض من اولئك الباحثين ان يتنزهوا عن لعب اي دور في خدمة تلك الروح الاستبدادية. ولكن التاريخ احتفظ في سجله الحافل بالاحداث المتناقضة ذلك الدور الرخيص الذي اداه علماء النفس في تكريس الروح العنصرية، وفي تبرير الظلم الذي وقع على الافارقة بانهم كانوا بدائيين، ولا يستطيعون ان يمارسوا اي دور اكبر من الدور الذي رسمه لهم السادة البيض وقد لاحظ «تشومسكي» ان الاستعمار يعد مسئولا عن تطور المعتقدات العنصرية. وبعض من اهم الفلاسفة التجريبيين ومنهم «لوك» قد تورطوا في دعم مؤسسات استعمارية. واوضح شاهد على الروح المتسيدة التي ترى ان البيض وحدهم هم الخليقون بالمناصب العليا، وهم وحدهم المؤهلون لقيادة الآخرين، تلك التجربة التي خاضها «مالكولم اكس» الزعيم المناضل الذي سطر بسيرته كفاح الرجل الافريقي الذي يؤلمه ان يرى قومه مستضعفين في وطن جلبوا اليه دون ان يسألوا عن رأيهم وعاشوا فيه قرونا من الزمن لم تشفع لهم بان يكونوا على قدم المساواة في الحقوق والواجبات مع نظرائهم من البيض. ان «جنكسن» يروي في كتابه الذي سرد فيه سيره «مالكولم إكس» ان «مالكولم» عندما كان في سن الطفولة، وثق في احد المدرسين واخبره بانه يريد ان يصبح محامياً. ولكن عند تلفظه بتلك الكلمة فوجيء بتوبيخ المدرس له، لانه لم يكن واقعيا. واقترح عليه ان العمل الجاد يمكن ان يكون مناسبا له. وللمرة الاولى يلاحظ ان العمل كمحام غير مناسب لزنجي مثله»!! الا ان تلك النظرة الدونية لم تستطع ان تثني عزيمته في ان يكون له شأن في الحياة، وقد اكسبه العلم نظرة الاحترام والتقدير الى نفسه، والى الدور الذي يمكن ان يؤديه في المستقبل. لقد تخلص «مالكولم إكس» من آثار تلك النظرة التي لها جمهورها من الرجال البيض وانطلق يدافع عن حقوق قومه، ويفضح الوسائل والاساليب الظالمة التي طوّحت بالمباديء والقيم، واقصتها من دائرة الفعل والتأثير. ان كتاب «محاكمة علم النفس» الذي كتبه «دينيس هوايت» و«أوسوبمباه» يحفل بعشرات الحقائق المذهلة والمؤلمة كذلك التي ذهب ضحيتها اعداد هائلة من البشر كانت خطيئتها الوحيدة انها شعوب ضعيفة لا تقوى على الدفاع عن نفسها، ولا تملك الوسائل الكافية التي ترد بها الظلم الذي وقع عليها. ولن يتسنى ان يعمر هذه الارض السلام طالما ان هناك فكراً استبدادياً يريد ان يطيح بالاضعف، ويسلبه ما يملك تحت مظلات شتى، وشعارات مختلفة ظاهرها التطوير والتنمية البشرية، وباطنها الاستحواذ والهيمنة والاستغلال. ومادامت المباديء الانسانية معطلة، فان الشعوب الضعيفة ـ في يومنا هذا ـ تكون قد اختارت مصيرها المحتوم بنفسها، وهي نهاية كان يمكن تغييرها لو فهم الضعفاء ان لغة القوة هي اللغة الوحيدة التي تحكم منطق الاقوياء!!