من المحاور المهمة التي تفرض نفسها على ساحة البحث والنظر حين نتحاور حول واقع الثقافة ودور الجمهور في الاقتراب او الابتعاد عن افق المعرفة، وعن اجوائها العبقة، محور الجهود التي يقدمها المثقفون، ومدى ملامستها لحاجات الناس واهتماماتهم، وقدرة أولئك المثقفين كتابا ومحاضرين، اعلاميين وباحثين في تقريب الثقافة، وتحبيبها الى الناس. والاتجاه العالمي السائد اليوم لا يعيب على التلميذ ان بدا منه الضعف وانخفض مستواه الدراسي، انما يعيب على المعلم تقصيره في جذب ذلك الطالب الى رحاب المعرفة، وجعلها خياره الشخصي الذي لا يرضى عنه بديلا. منطق وجيه، ورأي له قيمته التي يؤكدها الواقع المنظور، فالجهود الثقافية المختلفة التي ابرزها ما يعرض للعامة على صفحات الجرائد والمجلات، وما يبث في التلفاز او المذياع، وما يعرض على صفحات الانترنت، وما يؤلف من كتب تتداول بمستوى محدود كما اشرنا في حلقات الاسبوع الماضي لابد من ان تلقى شيئا من العتاب في بعض جوانبها طالما ان الهوة ما زالت قائمة بين المتلقي البسيط وبين الجمهور الكثيف الذي غاب كثيرا، وابتعد في معظمه عن رحاب الثقافة اكثر مما يجب، وأكثر مما يطاق ويحتمل. وتوجيه النظر نحو بعض الكتابات الصحفية التي اتخذت الطابع العلمي الجاف يدفع بنا في اتجاه التساؤل عن الدور السلبي الذي تمارسه بعض الاقلام حين تصر على تقنين المعرفة بخطوط تصلح للبحث الخاص داخل اروقة الجامعة، ولكنها تصعب على المتلقي البسيط ولان الكتابة الصحفية بالتحديد هدفها القاريء العادي بالدرجة الاولى، فإن تجاهله في العمل المكتوب، والاصرار على استخدام المصطلحات الدقيقة التي لا يغيرها الكاتب، ناهيك عن غرابة موضوعاتها وبعدها عن حاجاته وواقعه ومطالبه الخاصة، وهي مطالب عقلية بالدرجة الأولى يجعل من تلك الكتابات دون ان يقصد الكاتب عملا منفرا لا للمادة المصاغة بهذا الشكل الغريب فحسب وانما عمل ينفر من الثقافة ان كانت هذه هي الثقافة ولنا ان نتساءل عن جدوى مضاعفة المساحة بين القاريء وتلك الكتابات المبثوثة للناس! والجواب انه ما من مستفيد بأن يبتعد الجمهور عن عالم القراءة والمطالعة بل ويشعر انه غريب عن كل تلك المفردات والرموز، وبدون وعي منه يبدأ القاريء في تكوين فكرة خاطئة عن نفسه، وعن الثقافة ايضا. فهو حين يصطدم يوميا او بين يوم وآخر بهذه الهالة الكلامية التي لا يفهم منها شيئا يبدأ يشك في قدراته الذاتية، ويعتقد انه قليل البضاعة من المعرفة الصحيحة، وان عقله محدود وغير قادر على فهم الكلام المكتوب، وهو نقد في غير محله فليس مطلوبا على الاطلاق ان يفهم القاريء العادي مصطلحات علمية، ورموزا لفظية ليس لها كثير فائدة، ولا تحاكي الواقع، ولا تبحث عن حلول لمشاكل لها ارتباط بالمجتمع الذي يحياه أمثال ذلك القاريء!! وان نجا القاريء البسيط من اتهام نفسه فإنه سيقع في اتهام الثقافة بأنها شيء مر المذاق، وشيء صعب وكريه على النفس، او انه سيبغض المثقفين الذين يتراءون له من خلال كلماتهم الغريبة تلك انهم يتحدثون عن عالم آخر. ويبحثون في مسائل لا شأن له بها ولا صلة!! والمؤسف حقا ان يعتقد اولئك المثقفون بأن التميز يأتي عن طريق الاغراق في المصطلحات والرموز، في حين ان الواقع يؤكد ان التميز والجودة يأتيان من خلال تحسين وسائل العرض وتقريبها الى اذهان القراء او المستمعين، مع المحافظة على جوهر المادة المعروضة، وفائدتها بالنسبة للجمهور العام. ولو ان الدائرة التي تفكر بنفس هذا الاتجاه الانتقائي اتسعت وشملت نماذج مثقفة اخرى، فالى من سيتوجه القاريء العادي الذي يرفض تلك النماذج الكتابية الغريبة؟! اننا أمة تريد ان تتقدم بكامل قوتها البشرية في خدمة قضاياها الكبرى وفق وسائل وأساليب يفهمها الجمهور، ويؤمن بفاعليتها، ويستطيع ان يترجمها ميدانيا. ويوم ان يستعلي المثقف على جمهوره فإن عليه ان يعترف بفشله في الوصول الى النجاح. لان من يتولى القيادة الفكرية هو شخص يهمه بالدرجة الاولى ان يصل صوته الى العامة لا الى الخاصة وحدهم وايمانا بخصوصية العلاقة بين القاريء والكاتب نواصل الحديث الى الغد، لنستجلي بعض الحقائق المرتبطة بالمادة هوية ومضمونا ومدى تأثير «المادة المعروضة» مرئية ومسموعة على وجدان المتلقي وعلى احساسه، وقدراتها على تغيير نمط حياته. فالى الغد.